كلمات الحزن والفراق كافة، تجوز على الراحلين، وكل التعابير والملامح والمعالم التي ترتسم على الروح أو الوجه، تفيض بما تختزنه القلوب، أو لا تختزنه أحياناً، لتتحول الى مجاملات إنسانية. ولكن أن يقف الموت عند سالم الحتاوي هذا الشاب الممتلئ حيوية وحباً...وخجلاً، فذاك أمر شكل صدمة لكل المتفائلين بجدوى الإبداع الفني والعطاء المسرحي..
فكرت كثيرا في الكلمة التي صافحتني، وأنا أدخل موقعه الالكتروني المسرح كلمة أو...لا مسرح ، وربما يجوز لنا القول أيضاً: الحياة كلمة اولا حياة.. فالحياة والمسرح رفيقان لا يتفق الموت معهما، وهما في النهاية حسب ما كتب سالم موقف مما يحدث في هذا الكون الذي يضج بالأحداث والحروب.مات سالم الحتاوي، هل كان سالم يحتاج إلى كل هذا الحب والألم بعد مماته.. لماذا لم يكن يظهر هذا في الحياة؟ غريب الموت، كيف يقرّب ويحبّب وينمّي، ويكبّر ويعمّق ويحفز... والكثير من المفردات التي تفاجئنا بحميميتها كما لا يفعل الموت ، ومن مصادفات الموت القدرية ،انه غيّب في الفترة الأخيرة ثلاثة مسرحيين من ثلاثة أجيال متباعدة، هم سلطان الشاعر من جيل الرواد، وقاسم محمد من المؤسسين، وسالم الحتاوي من المخضرمين، بل هو من جيل الشباب الذين أثروا المسرح.
حضور محبب وعطاء وتواضع
وعندما يُحكى عن الأثر الذي حققه الاماراتيون في المسرح، لا بد من أن يذكر سالم الحتاوي، رجل قدم نصاً مسرحياً متزناً وملتزماً بفنيات المسرح، اتفقت معه كقارئ أو مشاهد أو لم تتفق، ثلاثة شخصيات اعتبارية غادرها المسرح الاماراتي أي خسرها بمعنى الخسارة..
والنماذج الثلاثة عانوا من قلة الاحتفاء بهم إعلامياً، ونسبة كبيرة من الذين كتبوا عنهم سارعوا لتلقف معلومات من الشبكة العنكبوتية، لرغبة أن يكون من بين تلك الكلمات جدوى ..وأي جدوى؟
قبل ثلاث سنوات تقريباً، لمعت فكرة تقديم منتدى المسرح بذهن الزميل الناقد حسن سيد احمد، وتمت الاستعانة ببعض الخبرات المسرحية العربية، لتقدم قراءات ما في عناوين مواضيع متعددة.
وطلب من الكاتب سالم الحتاوي الذي أغنى المنتدى بحضوره ومداخلاته، بل كان الفنان الاماراتي الوحيد الذي حرص على الحضور دائماً، وعندما بدأ الحديث عن سيرته الذاتية وعلاقته بالمسرح كان حريصا على ان تكون المفردات التي يستخدمها ضمن اطار زماني مكاني للموضوع ،الذي طلب اليه الحديث فيه.
كان سالم شديد الخجل، وهو يتحدث عن الجوائز التي حصل عليها وعن كتاباته الجديدة، كان يصغي باهتمام لكل الآراء مهما كانت. ومنذ ذلك الوقت عرفت سالم عن قرب رجلاً مسرحياً مثقفاً ملتزماً، تزينه الاخلاق ويجمله الخجل، خلوق بكل معنى الكلمة.
وعلى الرغم من تحفظه على كل ما كان يثأر في الغرف المغلقة والعلنية بين الفنانين المسرحيين الإماراتيين، الا انه كان حريصاً على ان يظل على مسافة واحدة من الجميع، لذا يعتبر سالم احد الرجال الذين ارتبطوا ارتباطاً وثيقاً مع المسرح، من دون ان يكون له شأن بباقي القضايا الشخصية.
وفي الدورة التاسعة عشر من أيام الشارقة المسرحية، كان هناك تدن في مستوى بعض العروض المسرحية، حيث غاب سالم عن المشاركة في الفعاليات، وكنت أراه يعلق بكل تهذيب عن نقاط خلافية، في تلك العروض التي قدمت تحت قبة الأيام المسرحية التي كان يراها المظلة الجامعة لكل الفنانين الاماراتيين، ولكنه نبه الى مراجعة مع الذات، حتى لا تتطور حالة التسيب للعروض المسرحية الاماراتية، بما لا يقبله تاريخ الايام، ملمحاً الى انه يصدد انجاز نص مسرحي للدورة المقبلة، ولكن القدر لم يمهله رحمه الله وجعل الجنة مثواه.
الياثوم محطة مهمة للراحل
كانت بدايات الحتاوي مع المسرح منذ ثمانية عشر عاماً، من خلال عمله مع فريق انتاج مسرحية «انها زجاجة فارغة التي عرضت عام 1996.
ويعتبر الكثير من النقاد والمهتمين بالمسرح، أن مسرحية «الياثوم» شكلت انعطافة هامة في علاقة الحتاوي مع المسرح ،وهذا بطبيعة الحال، ليس لأنها حصدت معظم جوائز أيام الشارقة المسرحية عام 2000 وحسب، بل لأن المسرحية قدمت كاتبا مسرحيا فاجأ الجميع بمستواه الفكري والفني.. فهو يكتب بلغة سليمة ويحاور شخصيات تنتمي إلى المجتمع الاماراتي،واستلهام الموروث والتعامل مع البيئة.
وجاءت مسرحية «جنون البشر» في العام التالي لتؤكد موهبة الحتاوي وحضوره ككاتب مسرحي يعتد به. ولعل المسألة الاجتماعية في نصوص الحتاوي المسرحية تكاد تكون القاسم المشترك بين كل ما كتبه وقدمه للمكتبة المسرحية الاماراتية.
فقد شغلته احلام الناس واحزانه، موضوعات التاريخ والتراث والماضي بتجلياتها، وما لم يحسن تقديمه في المسرح وسعه بحثا في التلفزيون، بل مع الدراما التفزيونية. ولكن على الغرم من نجاحه هناك، إلا انه ظل هنا رهين المسرح ولعبة الحياة، التي يقودها ممثل على خشبة المسرح.
مسرح ودراما ومساحة للطفولة
وإذا كان للراحل بصمة في مسرح الكبار، فإن الاطفال حصلوا على جزء جيد من وقته ومن كتاباته، ودخل الحتاوي في الكتابة للاذاعة أيضاً ،فكتب مسلسلات عدة مثل «سرور وجمعان»، و«جدتي أم الخير»، و«مساكم الله بالخير».
وقدم الراحل أحد أبرز أعماله التلفزيونية وجه آخر الموسم الماضي من انتاج سما دبي. وكان آخر ما قدمه للمسرح نص النخاس الذي عرض في الدورة قبل الماضية لأيام الشارقة المسرحية .
قبل فترة قصيرة، أعلن الراحل عن تأسيس موقعه الالكتروني، وفي هذا الموقع سيرة ذاتية شاملة، يحكي فيها عن كتابته أعمالاً تلفزيونية عدة مثل : وجه آخر، وغلطة عمر، والكفن، وبنت الشمار، و آخر ايام العمر . ومسرحيات عرج السواحل، ومرادية، والياثوم، وليلة زفاف، والنخاس.
والراحل حصل على دبلوم في الهندسة من الولايات المتحدة الاميركية عام ،1986وكتب أول مسرحية له أحلام مسعود عام 1994، وحاز على جوائز محلية وعربيةعدة ، منها أفضل مؤلف في أيام الشارقة المسرحية لدورات عدة عن نصوص «أحلام مسعود» 1994، و«ليلة زفاف» 1996، و«زمزمية» 1997.
كما نال جائزة التأليف عن مسرحية «عرْج السواحل» في مهرجان الخليج المسرحي الدورة السادسة.. وتخليداً لذكراه، يأمل المسرحيون أن يطلق اسمه على منطقة ما او على مسرح جديد، لأن تكريس المسرح من خلال انسان بطيبة قلبه هو انتصار للحياة والمسرح.
عمر غباش : يروي انطلاقة الحتاوي مسرحياً
يتحدث الفنان والمخرج الإماراتي عمر غباش عن الراحل قائلاً: عندما قابلته في الدورة التدريبية التي أقامتها دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 1991، وكنت محاضراً فيها أدرب المنتسبين على فنون التمثيل، كان سالم يشع طاقة، وقد سجل كأحد المنتسبين إليها، طلبت منه ذات مرة، أن يتدرب مع الممثلين إلا انه أجابني بأدب: لارغبة لي في التمثيل، أتيت لأتعلم الكتابة المسرحية، ولدي بعض المحاولات، أرجو أن تتطلع عليها. وفعلاً قرأت له بعضها .
ووجدت أن لديه خامة جيدة في كتابة الحوار المسرحي، فقمت بمتابعته وتوجيهه. وبعد أن انتهت الدورة التدريبية كنا على تواصل مستمر، حتى أتاني بفكرة مسرحية أحلام مسعود، فقلت له: إنها فكرة جميلة تحتاج إلى تطوير، وفعلاً كان يقوم بكتابة مشاهد المسرحية، يعدل بعضها بناء على كلامنا، حتى انتهى من كتابة المسرحية.
وقمت بإخراجها وتقديمها في أيام الشارقة المسرحية، وفاز فيها بأفضل نص مسرحي.هنا بدأت انطلاقته واستمر التعاون بيننا في مسرحيتي ريش على ماميش، وصمت القبور، ثم في مسلسله الإذاعي الأول عيال الكحيان ،الذي أخرجته لإذاعة دبي، ثم كتب أول مسلسل تلفزيوني، وهوعيلة بوسالم الذي أخرجته لتلفزيون دبي. وانطلق بعدها في عالم الدراما التلفزيونية، ولاقت أعماله نجاحاً كبيرا.
هو ذا المثابر والصبور، هذا هو سالم الذي سيعيش في قلوبنا وعلى المسرح عبر الإرث الأدبي الذي تركه أمانة لدينا، وليتحول إلى نموذج يحتذى للفنانين المسرحيين في دولة الإمارات والوطن العربي.
*******
الجسمي: هل من يملأ الفراغ بعد غيابه؟
قال الفنان الاماراتي احمد الجسمي: تعهدت بتنفيذ نص الكاتب الراحل سالم الحتاوي لصالح مؤسسة دبي للاعلام، ولا شك أن رحيل الكاتب قد أخر هذا الموضوع لبعض الوقت، ولكن سينجز بإذن الله في الفترة المقبلة..
لا شك في أن الحتاوي قد شغل مساحة مهمة في الدراما المسرحية والتلفزيونية، بحيث تميزت كتاباته بهموم الحالة الانسانية التي كان يتصدى لتقديمها، وعلى الرغم من ان الدراسة الاكاديمية للحتاوي، لا علاقة لها بالمادة الدرامية أو الفنية، إلا ان اصراره واجتهاده ومتابعته، أتاحت له الدخول سريعاً في عالم المسرح والدراما التلفزيونية، دخول فيها خبرة ومهنية واحتراف.
وختم الجسمي بالقول: النص الاخير الذي كتبه الحتاوي، فيه الكثير مما يجعله نصا كوميدياً اجتماعياً ساخراً.. وسيذكر الجميع ابداع سالم وهم يرون هذا العمل على الشاشة حينها سيقولون: رحم الله أيامك يا سالم ..كنت كاتبا مبدعا.
دبي - جمال آدم

