من فلسطين جاءوا حاملين معهم بعضاً من معالم وملامح الجرح؛ يرقصون ويتغنون وينثرون فناً للعروبة بلا هوادة.. ذلك الرقص ليس كما تظهره شاشات التلفزة، وليس أيضاً ما يسمى برقصة الطير المجروح..
هو مختلف في الشكل والمضمون، وبحكم سمو أهدافه؛ فقد تمكن إلى حد شبه مطلق من أسر القلوب والعيون، حتى حاز على إعجاب آلاف الحاضرين في كلا العرضين اللذين احتضنتهما مدينتا أبوظبي ودبي.أبطال يرقصون للوطن وللمقاومة وللعروبة، يرفضون لكنة الاستسلام، ويستحضرون مختلف صور الصمود والأصالة، ولا يؤمنون إطلاقاً برقصة للضحية مع الجلاد.. بل يبقى رقصهم المقاوم جزءاً معبراً عن أشكال النضال الفلسطيني، انطلاقاً من قناعة أن النضال هو برنامج وأسلوب حياة؛ والفلسطيني كغيره.. يحب ويفرح ويحزن ويرقص ويغني ويحلم؛ وأكبر الأفعال والنتائج تبدأ بحلم، هكذا يؤمنون. «وشاح» للرقص الشعبي، فرقة فنون فلسطينية بجذور أصيلة، قدمت من مدينة رام الله بالضفة الغربية، حاملة معها هدية إلى كل العرب، والمناسبة تنضوي تحت لواء الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية للعام 2009.
أما الهيئة فجاءت على شكل عمل فني اسمه «رقص» متكامل الأركان والأهداف امتد على مدى أكثر من ساعة ونصف، مسنوداً بفقرات فنية وتراثية من معجم الفنون العربية التي تأبى أن تتوه في ظلمات الاحتلال الإسرائيلي، وهكذا يشاء مبدعو «رقص».«رقص» الذي أتقنته مواهب فلسطينية شابة على خشبة مسرح ندوة الثقافة والعلوم في دبي، بعد عرض استضافته إمارة أبوظبي، لا يخرج عن إطار عمل فني ملتزم بكافة التفاصيل التراثية الأصيلة، وهو إبداع جريء ومعبر لفرقة«وشاح» الفلسطينية.
تلك الفرقة كما يعرفها محمد عطا مؤسسها ومديرها الفني، تبقى غنائية راقصة تتطلع إلى تقديم عروض فنية تستند على التراث الموسيقي والغنائي ببعديه الفلسطيني والعربي، وتعمل على تقديمه كصورة بصرية راقصة تحرك من حولها الوجدان، وقد تأسست في العام 2003 في مدينة رام الله، وتضم الآن 26 راقصاً وراقصة، ينسجمون معاً في إطار رؤية فنية جديدة على شكل لوحة إبداعية، تشكل بامتياز أركان العمل الفني الأول «رقص».
إنه عمل موسيقي غنائي راقص، مستوحى من التراث العربي، ويعتمد على ألحان وأغنيات مختارة من مناطق عربية مختلفة، تم وضعها في إطار جمالي متكامل، بحيث تحمل روحاً عربية ذات أبعاد مختلفة، كما يقول محمد عطا مؤسس الفرقة ومصمم العمل الفني «رقص»، الذي يضيف أن عمل الفرقة الأول يسعى لاستلهام أجمل ما أنتجته الذاكرة العربية الفنية في المجالين الموسيقي الغنائي والحركي الراقص.
هو بالتالي عمل متكامل جاء من فلسطين المحتلة على هيئة تأكيد جمالي وفني وثقافي على فكرة الامتداد العربي وتنوعاته التي تشكل إغناءً لهذا الامتداد، واختراقاً للحدود السياسية المصطنعة بين أجزاء الوطن العربي، والأهم الخروج من دائرة الحصار والعزلة التي تفرضها إسرائيل على كل ما هو متبقي من فلسطين، فيما تسعى فرقة وشاح الفلسطينية من عملها هذا إلى ولوج تجربة فنية تستفيد فيها من التنوع الموسيقي العربي، وتنقل من خلالها الحلم الفلسطيني على شكل أغنية.
محمد عطا قائد الفرقة، الذي أكد أن هذا العرض الفني الأصيل «رقص» يعد الأول عربياً، أشار إلى أن فرقته تمكنت من الوصول إلى إسبانيا والبرتغال في وقت سابق لإحياء فعاليات يوم التضامن، ولعرض بعض من ملامح الفن الفلسطيني العربي المعبر عن قضية سامية وعادلة.
وفي فلسطين، تزخر المدن والقرى والمخيمات بفرق فنية تفوح منها نكهة الوطن والبقاء، منها كما يوضح عطا، الفرقة الأولى وهي الفنون الشعبية الفلسطينية، التي تأسست في العام 1979 وكان أحد مؤسسيها، إضافة إلى فرقة سارية رام الله، وفرقة أصايل، وفرقة تغريد التي تصدح في مناطق الـ 48 من فلسطين المحتلة، إلى جانب موال النصراوية، وأوف المقدسية، وجميع هذه المؤسسات الفنية تضمر في جسدها الحب والولاء والانتماء لفلسطين بكل ما فيها.
ولكل فرقة فنية تراثية كما يضيف محمد عطا، رؤية وهدف وفلسفة، وبالنسبة لوشاح التي انطلقت في سنوات عصيبة من عمر فلسطين، فهي تحمل التراث الفلسطيني.. تخوض في تفاصيله وتقرأه بتمعن حتى تستلهم منه أغنية وحدوتة تطرب على مسامعها الآذان وتعشقها القلوب حد الإدمان، وهي ترتسم على شكل لوحات تراثية راقصة تحرك حس الولاء والانتماء الفلسطيني والعربي.
وتنحصر فلسفة وشاح الفلسطينية من خلال جهود مصممي الرقص الشعبي، بالسعي الدؤوب إلى أن تضيف إلى هذا الموروث كثيراً من اللمسات الإبداعية والجمالية شريطة ألا تحدث تشويهاً في المضمون، تماماً كما حال المهندس المتميز الذي يرمم قصراً قديماً بأبهى أدوات الحداثة دونما يفقده رونقه الأصيل.
«وشاح» الفنية تربط برقصها غير التقليدي تراث فلسطين بواقعها في العام 2009، وتسعى إلى مزج الأصالة بالمعاصرة، بأحلام وأفكار مختلفة تشمل كافة أوجه الحياة الفلسطينية المعاشة، وترنو إلى مصير أكثر إشراقاً..
وتعمل الفرقة الفلسطينية المتألقة بعروضها الفنية باتجاه تطوير الحركة والهيئة الطربية والغنائية الراقصة، على نحو يحافظ على روح الماضي، بما يشكل في النهاية فناً يجمع الجد مع الابن والحفيد في قالب واحد من المتعة والانسجام.
«رقص» الذي حظي بعرضه العربي الأول في دولة الإمارات، يأتي من إيمان القائمين عليه بأن ما تنتجه فلسطين يبقى جزءاً من الثقافة العربية الأوسع، وعلى الرغم من أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى عزل كل ما هو فلسطيني عن المحيط العربي، إلا أن رؤية الفرقة كما يؤكد مؤسسها محمد عطا تظل مشدودة نحو العالم العربي الأوسع، والهدف الأول والأخير «فلسطين عربية»، بكافة تفاصيلها.. وستبقى ما دام الحلم متواصلاً.
عنان كتانة


