لجأت السينما المصرية في السنوات الأخيرة، إلى ظاهرة السلاسل السينمائية أو ما يطلق عليها «أفلام الأجزاء، بعد أن ظلت على مدار سنين طويلة مضت، حكرًا على المسلسلات الدرامية التي لاقى أغلبها نجاحًا مقبولاً.
حيث يعتزم أكثر من نجم سينمائي من بينهم محمد هنيدي وتامر حسني وشريف منير تقديم جزء ثانٍ من أفلامهم» رمضان مبروك أبو العلمين حمودة، وعمر وسلمى، و الشياطين، أملاً في تكرار النجاح ذاته الذي حققته الأجزاء الأولى من هذه الأعمال، وعلى غرار هؤلاء النجوم يفكر أيضا أكثر من منتج سينمائي في إنتاج أجزاء ثانية من أعمالهم التي قدموها خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها « نمس بوند» للفنان هاني رمزي بهدف استثمار نجاحها.لكن مع هذا التوجه الجديد للسينما المصرية، يطرح السؤال ذاته بقوة.. ما المعايير التي يفترض أن يستند إليها المخرج أو المنتج لتصوير جزء ثانٍ أو ثالث من فيلم سينمائي.. وهل ثراء الموضوع وتشعب تفاصيله، يجعله بحاجة إلى زمن أكبر وشكل أقوى، أم يحكمه معيار نجاح الجزء الأول، ومحاولة استثماره من أجل عائد مادي؟
في الحالتين، تبدو الغالبية من جمهور السينما غير متحمسة لأجزاء السينما، فعلى حد تعبيرهم، الأمر يختلف في السينما تماماً عن الدراما التليفزيونية، حيث ان أجزاء المسلسلات تكون مفروضة على المشاهد، ومن الممكن أن يراها.
وهو جالس أو متكئ أو راقد داخل منزله، بل يمكنه تحويل المحطة بالريموت كنترول، إذا لم يعجبه المسلسل، بينما يختلف الأمر في السينما، حيث يذهب المشاهد إلى دور العرض ويدفع نقوده، وإذا لم يجد ما يجذبه لمشاهدة عمل جديد، فلن يذهب على الإطلاق.
ورغم أن هذا القول، قد يتعارض للوهلة الأولى مع نجاح تجربة الأجزاء، التي قدمها الفنان عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة»، إلا أن تجربة إمام ليست مقياسًا للحكم على ظاهرة أفلام الأجزاء، فأغلب معجبي إمام هم من المهتمين به شخصيًا في أي دور، وأي كلام، نظرًا لقدرته على توظيف أي مشهد بخبرة وموهبة عالية، ليفجر من خلاله قضية.
أو على الأقل الضحك، كذلك الأمر بالنسبة للفنان محمد هنيدي الذي يستعد لتصوير جزء ثانٍ من «رمضان مبروك أبو العلمين»، فقد صعد هنيدى سلم النجومية سريعًا ، ليتربع جنبًا إلى جنب مع عمالقة الكوميديا، وله جمهور عريض جدًا، لذا سيراهن هنيدي على جماهيريته، ونجاح الجزء الأول من «رمضان مبروك».
مغامرة غير محسوبة
وإذا كان الأمر كذلك لعادل إمام وهنيدي.. إلا أن التجربة لن تكون سهلة مع فنانين آخرين لأسباب عديدة، منها أن أغلب الأفلام التي عرضت في السنوات الأخيرة سطحية وبلا موضوع، أو ضعيفة في بنائها الدرامي، وتعتمد على التطويل والحشو.
وبالتالي فإن إنتاج جزء ثانٍ منها يعني مغامرة غير محسوبة، خاصة أن كُتاب السينما اليوم تضاعفت أعدادهم، وقادرون على إيجاد أفلام تخدم قضية، وتعالج أي ظاهرة بشكل مركز وموضوعي من خلال عمل مكتوب بشكل جيد، وأداء إخراجي ممتاز يؤدي الغرض، من دون اللجوء لظاهرة الأجزاء.
يضاف إلى ذلك، أن المشاهد إذا أراد مشاهدة فيلم سينمائي، فعليه توفير الوقت ودفع أموال وبذل مجهود كبير بالخروج من منزله وذهابه وعودته من دور السينما، ما يعني أنه بحاجة إلى فيلم جيد يناقش قضية غير مكررة أو رآها من ذي قبل.
ورغم اختلاف الآراء حول ظاهرة أفلام الأجزاء، وإن كان أغلبها يرى بعدم ضرورة الاتجاه لنظام الأجزاء، إلا في حالات يتطلب الأمر فيها مواصلة طرح قضية محددة، من خلال عمل لا يقل مستوى الجزء الثاني عن الأول، فهناك أيضًا آراء لها دوافعها بإمكانية نجاح مثل هذه التجارب.
ووسط هذا الجدل حول الظاهرة، حرص الفنانون والنقاد على إبداء رأيهم في هذه القضية، وأغلبهم أكد عدم تحمسه للفكرة.. ويرى الفنان عزت العلايلي أن استغلال نجاح الجزء الأول لتقديم جزء ثانٍ، أو أجزاء أخرى من دون ضرورة أو مضمون يؤدي إلى فشل مؤكد، خاصة أن تواصل القصة كجزء ثانٍ، يعني بالضرورة أن يكون المشاهد قد ارتبط بالعمل وعاشه.
ويحتاج إلى التواصل مع الفكرة. وأكد العلايلي على وعي الجمهور العربي، وقال إنه ناقد بالدرجة الأولى، ويستطيع أن يضع تقييمًا للعمل ككل، وإذا جاء الجزء الثاني فاشلاً لا يحتاج الجمهور لناقد ليبلغهم بفشل العمل، فهم أول من يعلمون بذلك، ولكن الجمهور كل ما يريده من النقاد تشريح عمل جيد لمزيد من الفائدة.
ويشير الفنان هاني رمزي إلى أن فكرة تعدد الأجزاء، بدأت في السينما الأميركية، وتحتاج إلى تمويل ضخم لتحقيق النجاح، معتبراً أن نجاح أي أجزاء أخرى لأفلام تعني بالضرورة أن تكون نوعية الموضوعات تحتمل ذلك. وحدد رمزي شروط الاستعانة بأجزاء أخرى لفيلم سينمائي بالقول: ان تكون القصة طويلة تتضمن أحداثاً كثيرة مليئة بالمواقف والأشخاص، والمقصود بكثرة الأشخاص عدم إمكانية ظهورهم في جزء واحد، وتحتاج إلى أجزاء أخرى لاستيعابهم لاستكمال القصة والموضوع، وهذه مواصفات لا بد أن تتوفر في العمل الذي يمكن أن تحوله إلى أجزاء.
ولأن المخرج هو الأكثر قدرة لتحديد إمكانية عمل جزء آخر للعمل، أم لا .. بحكم التصاقه ومعايشته للعمل بشكل كبير، يؤكد المخرج محمد فاضل أن عمل أجزاء للأفلام لا يمكن أن يحقق النجاح ،إلا من خلال الأعمال التاريخية التي تتناول أحداثًا ومشاهد من سنوات طويلة جدًا، إذا كانت تتناول شخصية محددة، أو حالة اجتماعية من الممكن ألا يستوعبها جزء واحد.
للاستثمار فقط
من جهته، يقول المؤلف نادر خليفة: إن الأفكار التي طرحت أخيراً لإنتاج أجزاء في مجال الأفلام السينمائية، لأعمال تم تقديمها من ذي قبل، تؤكد أن بعض منتجي هذه الأفلام قصدوا استثمار نجاح الجزء الأول، وأضاف: في هذه الحالة فإن الجزء الثاني من هذه الأعمال محكوم عليه بالفشل، خاصة ان الأعمال المعروضة أو التي سبق أن عرضت، وتقرر أن تضاف إليها أجزاء أخرى جميعها لا تتضمن أحداثًا كبيرة وكثيرة، أو شخصية ثرية حياتها غنية بالأحداث تتطلب عمل جزء ثانٍ، أو ثالث إذا تتطلب الأمر.
نظرة نقدية
وأخيراً، وليس آخراً، فإن النظرة لظاهرة إنتاج أفلام الأجزاء، مهما اختلف حولها الكثيرون فهي لن تستمر طويلاً، أو لن يلجأ إليها المنتجون بشكل مكثف، وهذا يظهر من أغلبية الرافضين للفكرة استنادًا لاعتبارات كثيرة على رأسها عدم قدرة المنتجين للمغامرة بأموالهم بأعمال قد تنتهي بالفشل، وذلك خلافاً للمسلسلات؛ فهي تصل إلى المتلقي في منزله، وتدفع ثمنها الفضائيات.
ويضمن من خلالها المنتج حقه كاملاً. ولكن من الممكن استثمار عمل ناجح وفيه ثراء، ومن خلال فنان جماهيري للاستفادة من هذا النجاح، واسم الفنان الكبير، خاصة إذا كان العمل فيه كل المواصفات المطلوبة.
ويقول عدد من النقاد إن رفض الأغلبية لإنتاج أجزاء لأفلام سينمائية، يؤكد أن صُناع السينما في مصر مدركون للمخاطر، التي يمكن أن تعرض الشركات المنتجة لمثل هذه الأفكار إلى خسائر كبيرة على المستويين الفني والمادي، خاصة ان المنتجين الذين يعملون في الساحة حاليًا تخلصوا من حاجز التردد في إنتاج أعمال سينمائية بكثافة وانتظام، ما عزز من قوة المنافسة في دور العرض، وعلى مستوى المهرجانات والنقاد.
القاهرة - (دار الإعلام العربية)

