ظاهرة تقديم الأفلام ذات الأجزاء المتعددة، ليست غريبة على الفن السابع في الولايات المتحدة الأميركية، أما بالنسبة للسينما المصرية فتكاد تكون غير ملحوظة، وغالبا ما يكون الجزء الأول من هذه الأفلام، أفضل من الجزء الثاني.

في هوليوود التي تقلب بين الحين والآخر في أوراقها القديمة، وتصنع أجزاء جديدة لكل سلاسل الأفلام التي نجحت في الماضي، يظل هاجس البحث عن الأرباح الخيالية هو الحافز الذي يدفع صناع السينما إلى تقديم هذه الأعمال.. ويبقى الرهان دائماً إما على متفرج قديم يحن إليها، أو مشاهد جديد يتشوق إلى رؤيتها. وما تلاقيه هذه الأعمال من نجاحات في شِباك التذاكر، كانت سبباً كافياً لتشجيع جيل من المخرجين والمنتجين، على تقديمها من خلال مواضيع وتجارب جديدة، وهكذا ، فإن سلاسل «الرجل الوطواط» أو (باتمان)، و«سبيدرمان»، و«حرب النجوم»، و«قراصنة الكاريبي»، و«أوشن»، و«جيمس بوند»، و(أنديانا جونز)، و(ملك الخواتم)، و(هاري بوتر)، و(الرجل الأخضر العملاق)، و(مهمة صعبة)، و(سرعة وغضب)، وغيرها.. قد غزت دور السينما في شتى أرجاء العالم.

وكتب الكثير عن تلك السلاسل، وقوبلت باهتمام منقطع النظير، وذاع صيت الشخصيات التي جسدت الأدوار في تلك الأفلام، وأصبحت هذه الأجزاء من الأفلام تجتذب جمهوراً عريضاً يدفع باتجاه وجودها دوماً في صالات العرض، ونظراً للنجاح الجماهيري لها، أصبح ملاك دور السينما يسعون بشكل لم يسبق له مثيل، لعرضها والتلهف على سلاسلها المقبلة.

بحث في الجمهور الأرباح

وذكر بحث نشره مركز (سكرين دايجست) أن 38 في المئة من مبلغ 20 مليار دولار، حققتها أفلام وأجزاؤها المتسلسلة اللاحقة في أميركا من 1980 حتى الآن هي للعمل الأول، بينما 36 في المئة من الإيرادات حققها الجزء الثاني مما يوضح أن الأجزاء التالية تكاد تحقق النجاح الجماهيري ذاته للأعمال الأصلية.

وأنتجت شركات السينما رقماً قياسياً من الأجزاء التالية، بلغ 15 عملاً في عام 2002، و14 عملاً في عامي 2003 و2004، وتسابق الزمن في 2008 و2009 لإنتاج أجزاء أخرى.

واكتشف البحث أن معدل الفاصل الزمني بين الأجزاء، كان ثلاث سنوات في الفترة بين 1980 و2004 ولكن في الفترة الأخيرة تقلص الفارق إلى حوالي سنة واحدة. وعلى الرغم من أن البحث، ركز على إيرادات شباك التذاكر في الولايات المتحدة، وميل رواد السينما إلى مشاهدة شخصياتهم المفضلة، إلا أن تلك الأجزاء، حققت نجاحات مدوية في جميع أنحاء العالم السنة الماضية مع «أنديانا جونز»، و«المومياء»، و«هاري بوتر»، و«الرجل الوطواط».

ويرجع النجاح الأساسي لأجزاء تالية من أفلام، إلى السيناريو الذي لا يحكي ببساطة قصة الفيلم الأول ذاته، بل يطورها ويضيف عليها، ويلعب على مفردات وعناصر مثيرة تواكب الفترات الزمنية التي تعرض فيها تلك الأجزاء، ما يثبت أنها لم تعد خياراً منتقداً، واستغلالاً لشعبية عمل ما، وإنما وسيلة تسويقية ماهرة للاستفادة من فكرة جيدة وقاعدة جماهيرية لدى المشاهدين.

وقال مركز «سكرين دايجيست» أن أعلى سلاسل الأفلام تحقيقاً لإيرادات في الولايات المتحدة هي «حرب النجوم»، فقد حققت الأفلام الخمسة منها إيرادات قدرها 4 ,1 مليار دولار، بينما كانت أفلام ملك الخواتم هي السلسلة الوحيدة الأخرى التي حققت أكثر من مليار دولار.

واكتشف البحث أيضاً، أن أفلام الحركة هيمنت على عالم الأجزاء التالية بعدد 51 فيلماً أو حوالي ثلاثة من كل عشرة أعمال على مدار الربع قرن الماضي، بينما كانت نسبة الأفلام الكوميدية 18 في المائة، وأفلام الرعب 16 في المائة، والخيال العلمي 14 في المائة.

وكانت أطول السلاسل استمراراً في دور العرض منذ عام 1980 هي (الجمعة 13) وأنتج منه 11 جزءاً وجمع إجمالي إيرادات تجاوزت 309 ملايين دولار.

ويلاحظ جليا أن جهات الإنتاج السينمائي العملاقة، تمتلك كوادر متخصصة في دراسة أذواق الجمهور وميوله وتقلبات مزاجه في فترات مختلفة، ويمكن لنتائجها البحثية أن تحدد ـ إذا لم توجه عن قصد ـ وفقاً لذلك نوع الأفلام التي يرغب الجمهور بمشاهدتها، ويندفع إليها بحماس عاطفي أكثر منه فني، لذلك نرى كيف تتباين أسهم تلك المواسم السينمائية من حين إلى آخر، بين أفلام الرومانسية أو الحركة أو الرعب، وكذلك الاجتماعي والكوميدي والخيالي والتاريخي.

ولابد لنا من الاعتراف، انه بقدر تمسك غالبية من المشاهدين بالنسخ الأولى لبعض الأفلام، والانطباع الذي تركته في حينه، نجد في المقابل أن العديد من الأجزاء اللاحقة، استطاعت بجدارة أن تتخطى ما سبقها من أعمال لتحظى بإعجاب الكثيرين.

وعلى وجه الخصوص الأفلام التي تعتمد في صناعتها على التقنيات السينمائية المتطورة بتطور العصر، حيث تصبح لدى المخرج، إمكانيات وحيل واسعة لمعالجة موضوعاته، بطرق اشد إقناعا وتأثيرا، لاسيما أفلام الرعب والخيال العلمي وربما بدرجة اقل أفلام الحركة.

نوعان من السلاسل ويمكننا تصنيف السلاسل إلى نوعين رئيسين : الأول يأتي بعد النجاح الجماهيري للنسخة الأولى، أي أن المخرج لم يكن يفكر بإنتاج جزء ثان قبل رؤيته إقبال الجمهور على مشاهدة فيلمه الأول.

ومن تلك السلاسل المعروفة التي حصدت نجاحاً متفاوتاً في هذا الباب لأسباب فنية وموضوعية عدة : «حرب النجوم»، و«غرباء»، و«العراب»، و«أنديانا جونز»، و«السلاح الفتاك»، و«الفاني»، و«الرجل الوطواط»، و«العودة إلى المستقبل»، و«اللعبة»، و«غريملاينز»، و«وحيدا في البيت»، و«الحديقة الجوراسية»، و«صمت الحملان»، إضافة إلى السلسلة الأشهر عالمياً لمغامرات جيمس بوند.

أما النوع الثاني، هو العمل السينمائي الذي ينفذه المخرج، وفي ذهنه منذ البداية فكرة إنجاز الأجزاء الأخرى لفيلمه بعد حين، وسبب ذلك أن لدى المخرج مشروع سيناريو كبير يحتاج لأكثر من عمل، ولساعات تستوفيه على الشاشة، مثلما حصل مع المخرج بيتر جاكسون الحائز على الأوسكار عن الجزء الثالث من ثلاثية (ملك الخواتم)، بعد إتمام جزئها الثاني (البرجان) قام بصناعة الجزء الثالث والأخير من الرواية.

أو بسبب أن للمخرج رؤية خاصة تكتمل تباعاً في فيلمين أو أكثر ضمن مشروع سينمائي مكتمل الرؤية يخُطط له بتأن، مثال ذلك ثلاثية الحرب للمخرج أوليفر ستون، كذلك المخرج كوينتين تارانتينو «مستودع الكلاب»، و«بالب فيكشن»، و«جاكي براون».. وكذلك عمله السينمائي «اقتل بيل»، وبالتأكيد الثلاثية الشهيرة للمخرج البولندي كريستوف كييسلوفسكي «أزرق»، و«أبيض»، و«أحمر» وغيرها الكثير..

وهناك بلا شك أسباب أخرى، تتباين من مخرج إلى آخر، ومع التغير الملحوظ في أسلوب كل فيلم، ضمن ما يسمى بالسلسلة السينمائية من نواحي الإخراج ومعالجة الموضوع والجودة والفنية، تتغير عادة أسماء الأفلام وبعض شخصياتها وأفعالها ورؤيتها للأحداث ضمن الإطار العام للقصة، وقد يتبدل أيضاً المخرجون والممثلون وأحيانا كتاب السيناريو.

تفاوت بين هوليوود والقاهرة

وإذا كانت هوليوود، تحرص على تقديم سلسلة من الأجزاء لأشهر أفلامها كنوع من الاستثمار لنجاح أفلام بعينها، أو شخصيات لاقت إعجاباً جماهيرياً إلا أن السينما المصرية بكل تاريخها لم تحفل بهذه النوعية، ولم تشهد في هذا الإطار إلا تجارب قليلة جداً في هذا الاتجاه خاصة إذا استثنينا سلسلة أفلام إسماعيل ياسين وليلي مراد،؟

على اعتبار أنهما لا ينتميان إلى فكرة الأفلام ذات الأجزاء بل أن الرابط بينهما هو شخصية البطل .وإذا أحصينا التجارب التي قدمتها السينما المصرية في هذا الإطار، سنكتشف أنها لا تزيد على تجارب قليلة وهشة، وهي فيلم «سماره» وجزؤه الثاني «عفريت سماره»، وثلاثية «بين القصرين»، و«قصر الشوق» و«السكرية» للمخرج حسن الإمام ، «جحيم تحت الأرض»، و«جحيم تحت الماء»و«يا تحب و تقب»، و«بخيت وعديلة» للنجم عادل إمام، وثلاثية شاهين «إسكندرية ليه»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«حدوته مصرية».

وبعد هذه التجارب، انقطعت السينما المصرية تماماً عن هذه النوعية، إلا أن النجاح الساحق الذي حققه فيلم «اللمبي» الذي تخطت إيراداته ال52 مليون جنيه أعاد إلى أذهان المنتجين، تساؤلا حول استثمار نجاح هذه الشخصية في أفلام ذات أجزاء متعددة، لكن هذا المشروع لم يتم نتيجة خلافات فنية وإنتاجية.

وبعد الموسم السينمائي الماضي، اتجه بعض المنتجين المصريين لتقديم أجزاء ثانية لأفلام حققت نجاحًا في جزئها الأول، بهدف استغلال هذا النجاح، مثلما حدث مع فيلم عمر وسلمى لتامر حسني ومي عز الدين، والذي حقق إيرادات بلغت 20 مليون جنيه في جزئه الأول.

وهناك جزء ثان جاهز للعرض خلال أيام، وفيلم رمضان مبروك أبو العلمين حمودة لمحمد هنيدي، الذي حقق 22 مليون جنيه ويتم حالياً كتابة جزئه الثاني، وفيلم نمس بوند لهاني رمزي، الذي حقق 12 مليون جنيه ما دفع للتفكير بعمل جزء جديد تحت نفس العنوان، وفيلما الشياطين لشريف منير و كباريه لجومانة مراد ودنيا سمير غانم، والسؤال المهم الذي يطرحه هذا الاتجاه: هل يعني نجاح الجزء الأول بالضرورة نجاحاً للجزء الثاني.

خلاصة القول، إن منتجي هوليوود، يرون في أفلام الأجزاء استثماراً مالياً وفنيا ، لكن مما لا شك فيه أن السينما المصرية تفتقر إلى هذه النوعية، ويرجع ذلك الافتقار إلى تكاسل المنتجين المصريين، والذين يكتفون بالكسب المضمون لنجاح فيلم واستثماره في جزء ثان فقط، نتيجة لاعتقادهم أن مسألة الأجزاء مكلفة إنتاجياً.

بالإضافة إلى أن إنتاج أجزاء أخرى تمثل لهم رهانات خاسرة، أمام جمهور لم يتعود من السينما المصرية هذا المنحى، والذي يحتاج إلى فكرة ثرية وكاتب سيناريو متمكن هذا بخلاف التمثيل والإخراج، وروح المغامرة التي يفتقدها رأس المال الذي يبحث عن دورة الربح السريع.

القاهرة ـ أسامة عسل