انتقد الدكتور خالد عبدالرحيم الزدجالي صاحب دراسة حديثة حول أنماط الحياة الاجتماعية الخليجية في الدراما التلفزيونية الخليجية، غياب تمثيل الشخصيات من جيل كبار السن أو الشيوخ حاملي القيم التقليدية في المجتمع الشرقي في المسلسلات الخليجية، الذي يعد ـ كما يرى ـ أمراً مستغرباً للغاية، لدراما من المفترض أن تعكس واقعاً اجتماعياً ما يزال يحمل كثيراً من ملامح المجتمع التقليدي.
وأضاف ان هذا الغياب يقطع الحلقة الرئيسية من حلقات تواصل القيم الخلقية الموروثة في المجتمع، ويفسر الضعف النسبي لحضور المعايير والقيم الخلقية في مجرى الصراع الدرامي الاجتماعي والنفسي. المؤلف الدكتور الزدجالي توصل إلى مجموعة من النتائج في دراسة كيفية للموضوعات التي تناولتها مجموعة من المسلسلات الخليجية، حيث بحثت دراسته ظواهر اجتماعية عدة في سبعة مسلسلات خليجية متنوعة، عرضت في شهر رمضان، وتمثل الإنتاج الدرامي للدول العربية الخليجية (السعودية والإمارات والكويت وعُمان والبحرين وقطر).
حيث تم إنتاجها وعرضها خلال السنوات من 2004 وحتى 2007، وهي: بلا رحمة وطاش ما طاش وغربة مشاعر وعندما تغني الزهور وعذاري والدريشة والاتجاهات الأربعة. وأوضح الزدجالي في خلاصة دراسته النوعية، أنه وفي الحالات القليلة التي ظهرت فيها القيم الخلقية كمؤثر في أنماط الشخصيات الدرامية من جيل الوسط والشباب السائد في المسلسلات، فإنها ظهرت في صورة أداء لشعائر وطقوس دينية أكثر مما ظهرت كقيم دينية. ومن الملاحظات التي أوردها الباحث، أن الأحداث الدرامية وأنماط الشخصيات الدرامية التي تناولتها المسلسلات المبحوثة، قد أظهرت معالم تدهور صور التضامن الأسري والتضامن الاجتماعي بصفة عامة، وطغت عليها ملامح صراع المصالح الفردية الأنانية الضيقة.
فيما أورد الكاتب ملاحظة أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها، وهي أنه وعلى الرغم من أن المجتمع الخليجي الواقعي يضم بين سكانه اليوم نسبة غير صغيرة من الأجانب والعرب وغير الخليجيين، يشاركون في مختلف الأعمال الاقتصادية والتعليمية والثقافية، فإن المسلسلات المبحوثة لم تعكس أي صور جدية للتفاعلات الاجتماعية والفكرية الواقعية. ويضيف المؤلف: اقتصر ظهور الأجانب في الدراما الخليجية المبحوثة على أنماط شديدة الهامشية لآحاد من الهنود في أدوار سلبية عابرة، أو صورة أنماط لنساء شابات وافدات يستخدمن أنوثتهن للإيقاع ببعض الرجال الخليجيين الأثرياء، كبار السن وأصحاب العائلات، ويظهرن بمظهر خليع ويتعاطين المخدرات، فيما التناول الوحيد لنمط شخصية أجنبية من بين المسلسلات السبعة المبحوثة، ظهر في سلسلة طاش ما طاش، التي استخدمت الفكاهة والسخرية في تقديم معالجة عميقة لتفاعل هذا النمط، وكان ذلك تحديداً في حلقة الشغالة.
وفي إطار متصل، لاحظ الدكتور الزدجالي صاحب الدراسة، أن جميع المسلسلات المبحوثة قد غاب عنها أي تناول لعلاقات وتفاعلات الشخصيات الخليجية خارج المجتمع الخليجي، وذلك على الرغم من أن حقائق الواقع تقدم مؤشرات دالة على تفاعل الخليجيين خارج الخليج كسمة من سمات الحياة الخليجية نفسها تفاعل مصالح اقتصادية وعمل، علاقات زواج، بعثات دراسية، سياحة.. وغيرها.
نقطة ربما تكون إيجابية من بعض الزوايا، فقد لاحظ الباحث أن لهجة الحوار في جميع العينات الدرامية المنتجة في بلدان الخليج العربي المختلفة، قد كانت لهجة واحدة تقريباً، وخلت من مفردات اللهجات المحلية الخاصة بكل بلد، الأمر الذي يشير إلى أن الدراما تسهم في توحيد لهجة الكلام في مختلف دول الخليج.
ونظراً لتخصص سلسلة طاش ما طاش في مجال الدراما المباشرة، ذات الصبغة النقدية التعليمية، فيلاحظ أن عينات هذه السلسلة بالذات، قد عرضت وعالجت سلسلة من الموضوعات والقضايا العامة، والتي لم تتعرض لها المسلسلات الأخرى، وتلك الموضوعات مثل: مشكلات المرور، ومعضلات النظام التعليمي والدروس الخصوصية، وواقع الشغالة الأجنبية السلبي، ومشكلات التمثيل السياسي في العالم العربي، والتأثيرات السلبية على البيروقراطية الإدارية، ومشكلات العلاج الطبي في المستشفيات، ومسألة الوعي الصحي لدى المواطنين الخليجيين.
وبعد تمحص دقيق لكافة التفاصيل التمثيلية التي أوجدتها المسلسلات الخليجية السبعة المبحوثة في الدراسة، أيقن الدكتور خالد الزدجالي أن مشكلات وعيوب صناعة المسلسل الدرامي الخليجي تظهر بشكل خاص في ندرة المؤلف الدرامي القادر على بناء عمل درامي محكم، يستغرق عرضه 23 ساعة، إضافة إلى معضلة أخرى وهي قلة وجود المخرج المتميز، وكذلك شح ملحوظ في الفنانات الممثلات، حيث أن عدداً قليلاً من الممثلات الخليجيات يؤدين أدواراً مختلفة في أغلب المسلسلات.
أخيراً، وكحل لمشكلات عديدة رصدها الباحث في دراسته حول أنماط الحياة الاجتماعية الخليجية في الدراما التلفزيونية الخليجية، يرى الزدجالي أنه وبالنظر إلى التوسع الكبير في مجال الصناعات الإبداعية في المجتمع المعاصر، وتزايد أدوارها ووظائفها في المجتمع، فإن الحاجة باتت ملحة لإنشاء وتوفير مؤسسات تعليمية في دول مجلس التعاون الخليجي، بهدف تدريس هذه الفنون على أسس علمية رفيعة المستوى، أملاً بالنهوض .
فلاشات سريعة
مسلسلات عينة البحث من نوع المسلسل المتصل الحلقات والموضوع، ما عدا سلسلة طاش ما طاش وشملت في الدراسة لأهميتها خليجياً، فيما ستة من المسلسلات السبعة تقدم السرد الدرامي على الطريقة المألوفة.
بلغ حجم العينة التي أخضعت للبحث 141 ساعة من البث الدرامي، فيما توصل الكاتب إلى خلاصة مفادها أن مسلسل بلا رحمة يمثل نموذجاً سلبياً فيما يتعلق بالوظائف الاجتماعية التي يمكن تحقيقها عن طريق الدراما التلفزيونية الخليجية.
البعض انتقد طاش ما طاش، مدعياً أنه ينتقد الموروث والثوابت العربية وحدها، فيما لاحظ الباحث، أن المسلسل وجه انتقادات لأنماط من السلوك السلبي، سواء عن شخصياتتقليدية، أو شخصيات خاضعة لتأثيرات إحداثية.
في مسلسل الدريشة بدا الانتقاد واضحاً لتطرف عبدالله في مراقبة شقيقاته وملاحقتهن وإهانتهن، نتيجة عقدة نقص التعليم والبطالة، وبالمقابل حرصت الدراما في الجانب الآخر على إظهار بعض الآثار السلبية لغياب مراقبة الأخ لشقيقاته.
دبي ـ عنان كتانة



