عندما تعانق الموسيقى القصيدة، وتتماهى النغمات مع الكلمات، تنهض الروح الانسانية، ونعلم أننا في حضرة مارسيل خليفة..
وفي صحبة الميادين فرقته، وصوت أميمة الخليل خل وظل وارف يلامس الضمير الحاضر والحاضر الغائب، ويختزله أغنية مستدعيا أصوات غائبين، جاؤوا الهوينى بلا دعوة أو استئذان، ثم انسلوا بين ذاكرة الجسد والروح، وهناك مكثوا حتى انبلاج الوطن. في حضرة كل هذا الحضور الشاهق لموسيقى خليفة وتجلياتها الوجدانية العميقة في النفس الإنسانية، لا غياب للغائبين إلا حين يتعلق الأمر بأجساد تأبى البقاء، وأرواح تأبى الرحيل أو التشظي كي تستريح خارج المكان في قلب الزمان، في مشهد لا يعرف إلى النهايات طريقاً، ولا يعترف بالمرثيات مطلقاً، عابق بنغمات الحياة ورقصات عرائس البحر على شطآن لاوزردية.
زاهي وهبي.. حضور طاغ للشعر... في مستهل الحفل الخيري، الذي أقيم على شكل أمسيتين متتاليتين دعماً لهيئة إغاثة أطفال فلسطين، وأحياه مارسيل خليفة على خشبة مسرح كلية التقنية العليا للبنات في دبي، كان للشعر حضوره القوي المعتاد، فجاء صوت الشاعر والإعلامي اللبناني زاهي وهبي دافئا متقداً، وانطلقت الكلمات دفقاً بلا انقطاع، وتعانقت القوافي مستحضرة قصائد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش صديق مارسيل، الذي واكب الفنان الكبير جثمانه بأغنية «يطير الحمام، يحط الحمام» في مطار عمان، رافضاً حضور مراسم مواراة جثمان صديقه الكبير الثرى، لأن الطريق إلى رام الله لا يزال يمر عبر الحاجز الصهيوني.
ألقى وهبي عددا من قصائده القديمة والجديدة، لكنه حرص قبل ذلك على القول «أنحني أمام أطفال فلسطين وأمهات فلسطين»، ثم ألقى قصيدة «أمي» و«دمية روسية»، التي أهداها إلى نساء فلسطين الحوامل اللاتي يلدن منتظرات عند الحواجز العسكرية الإسرائيلية. وبطلب من مارسيل خليفة نفسه صدح صوت زاهي بقصيدة حب حملت عنوان «اضاهيك أنوثة»، منتقلا بعدها إلى قصيدة «نجمة الضغينة»، التي كتبها أثناء العدوان الصهيوني الهمجي الأخير على مدن وبلدات ومخيمات قطاح غزة المحتل والمحاصر، ثم قرأ نصا من تأليفه تحت عنوان «لا ننسى» وهو عبارة عن مرثية وجدانية إنسانية تحاكي الدماء والعذابات التي سفكت في لبنان وجنوبه الصامد عموماً، وفي مجزرة قانا خصوصا أثناء الحروب العدوانية الصهيونية المتكررة على لبنان.
وبعد اختتامه فقرته الشعرية، قام وهبي بتقديم صديقه الموسيقار اللبناني مارسيل خليفة قائلا «لي صديقان، مارسيل خليفة وصوته الصرخة، رسول للحب والحنان، وصرخة ثائر ضد الظلم كانت معنا، شكرا لك، لصوتك، لأنك توسع المطارح الضيقة».
ولم يفت زاهي تقديم الشكر «لدبي، لأطفال فلسطين الذين يحفظون بدمائهم ماء وجه العرب والعالم ولمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم الخيرية، لمساهماتها في إغاثة أطفال فلسطين».
مارسيل والميادين.. تجربة غنية
تشكل موسيقى الميادين أو موسيقى خليفة، وصوته وصوت أميمة بانوراما شاملة من الآلات الموسيقية والنغمات والطبقات الصوتية التي لا يحدها حد، ولا يؤطرها قالب بعينه، حيث صدحت بصوتها البديع في أكثر من أغنية بلا مرافقة موسيقية، فضلاً عن غنائها ومارسيل عدداً من الأغنيات سوية.
وكما للشرق حضوره في هذه الموسيقى الممتدة على مدار أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، فإن للغرب وموسيقاه الكلاسيكية حضوره القوي أيضا سواء كان ذلك من خلال الآلات الموسيقية التي تعزف عليها فرقة الميادين، التي ترافق خليفة في كافة جولاته الموسيقية عبر العالم العربي والعالم أجمع، أو من خلال نمط الألحان التي يؤلفها ويؤديها هذا الفنان الكبير، الذي تتأرجح موسيقاه أو تتسع بلا نهايات بين التخت والإيقاع الشرقيين والعزف على العود كآلة رئيسية من جهة وألحان سيمفونية كلاسيكية تضاهي أعمال عباقرة الموسيقى الكلاسيكة العالمية وروادها الأوائل على غرار بيتهوفن وموزارت.
في تجربة مارسيل الموسيقية والغنائية والفكرية، هناك حالة عناق جميلة عنوانها الرئيسي الانسجام والتناغم، حالة يتماهى في كنفها فكره الانساني التقدمي المتنور والمنفتح على البشرية جمعاء ونمط المنتج الموسيقي الذي يعتمده هذا المبدع العربي ويقدمه للجمهور منذ بداياته الأولى، حيث يجتمع البيانو مع العود والطبلة مع الكمان والموال مع الإيقاعات والنغمات السريعة المتسارعة المستحدثة على فرقة الميادين والتي جاءت بفضل تلك الدماء الجديدة التي سيرها خليفة في أوردة وشرايين فرقته وتجربته حتى لا تكون نهاية وحتى لا يكون ركودا كما الحياة عينها متدفقة على الدوام بلا هوادة.
رامي وبشار.. دماء جديدة
تجديد سعى ويسعى إليه مارسيل في تجربته الحياتية وفي تجربته الموسيقية في آن، حتى بات جزءا لا يتجزأ من قاموس مفردات مسيرته الإبداعية الملتزمة واللصيقة بقضايا الناس عموماً والبسطاء منهم على وجه الخصوص، أما قائمة ابطال هذا التجديد المبتكر، فتتصدرها أسماء عديدة عمل مارسيل على إبرازها وصقل موهبة أصحابها في السنوات الأخيرة، فحلقت في فضاء فرقة الميادين، وكان لها صدى طيبا عميقا راح يرافق هذه التجربة الكبرى، حتى صار ملازماً لها.
من بين تلك الاسماء يبرز، على سبيل المثال لا الحصر، رامي خليفة على البيانو وبشار خليفة على الإيقاع، نجلا مارسيل، اللذان يبدو أنهما يعنيان الكثير بالنسبة لمسيرة أبيهما الموسيقية، حيث كانا بمثابة الدماء الجديدة في تجربة خليفة والميادين المتجددة سواء على صعيد استمرارية التجربة الإبداعية، وتسليم الراية جيلا بعد جيل، أم على صعيد تلك الضرورات المتعلقة بالتجديد نفسه، حيث حرص مارسيل على تشريب نجليه من نبع الموهبة ذاتها الذي نهل منه الفنان الكبير معززاً ذلك لديهما بدراسة أكاديمية للموسيقى، مكنتهما من رفد تجربة والدهما بمساهمة فنية رفيعة المستوى، تبدو ضرورية في زمن عنوانه الأول الابتكار والتجديد.
على مسرح الكلية التقنية للبنات أنشد مارسيل وفرقته لعذابات للإنسان وآماله، للأم، للحبيبة، للشهيد وللأسير، فكانت ريتا حاضرة وهديل الحمام وصوت العصافير، ومشهد القامات المنتصبة كذلك، ونشيد محمود درويش صديقه الذي لا يفارقه أينما حل في ترحاله الأبدي بين سوريالية الفنان ومتطلبات الالتزام بقضايا الشعوب، تلك المعادلة التي احترفها مارسيل من دون أن يسمح بطغيان أحد طرفيها على الآخر بأي حال من الأحوال.
الجمهور كان حاضرا بدوره بقوة في كل كلمة وكل نغمة وكل حركة تصدر عن الفرقة ومعلمها، فكان جزءا لا يتجزأ من ذلك المشهد الموسيقي، حين لعب دور الكورال بطلب من مارسيل أحياناً، وبمبادرة منه في معظم الأحيان، فامتزجت أصوات الحناجر مع دموع حارة ذرفت وابتسامات عريضة عبرت عن فرحة جمهور تواق لرؤية وسماع مبدع ملتزم بقضايا الوطن والإنسان طالما أحبه بقامة مارسيل خليفة.
نبذة
ولد مارسيل خليفة عام 1950 في بلدة عمشيت الساحلية شمال العاصمة اللبنانية بيروت. وهو مؤلف موسيقي ومغن وعازف عود، ويعتبر أحد أهم الفنانين العرب الملتزمين بقضية فلسطين، حيث اشتهر دوماً بأغنياته التي تأخذ الطابع الوطني الملتزم بقضايا الأوطان والشعوب المقهورة، وبأسلوب دمجه بين الموسيقى العربية (العود والطبلة والناي والكمان والبزق) والآلات الغربية (البيانو والأكورديون والتشيلو وغيرها).
أصدر أول أعماله الغنائية في أسطوانة بعنوان «وعود من العاصفة» عام 1975، ومن أشهر ألبوماته «الجسر»، «أحمد العربي»، و«ركوة عرب»، و«تصبحون على وطن»، و«يا محلا نورها» وغيرها، بالإضافة إلى عدد من الإصدارات الموسيقية.
دبي ـ باسل أبو حمدة



