لا يمكن أن يختلف اثنان على أن ما تركه الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف، هو ثروة مسرحية متميزة تفوق مقاييس الزمان والمكان، اللذين كتب فيهما المؤلف المسرحي والقصصي الشهير أهم أعماله على الإطلاق. وهو ما تشير إليه على نحو واضح ترجمات العديد من هذه الأعمال، وفي مقدمتها إنجازاته المسرحية..
وفي هذا الإطار شهد مسرح الجامعة الأميركية في الشارقة عرضاً لمسرحية «النورس» للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، نظمه قسم الفنون المرئية والمسرحية في كلية الآداب والعلوم في الجامعة، بالتعاون مع لجنة النشاطات الثقافية.وشارك في تمثيل وإخراج المسرحية أكثر من 13 طالباً وطالبة، بينما عمل زملاء لهم خلف الكواليس، في تصميم ديكورات المسرح والملابس وتنسيق الموسيقى وهندسة الصوت والضوء. نجاحات مسرحية عُرضت مسرحية «النورس» على مدى أربعة أيام في الجامعة، وهي ثالث إنتاج مسرحي للطلبة بعد نجاح مسرحية «روميو وجوليت»، و«خادم لسيدين» وذلك ضمن فعاليات قسم الفنون المرئية والمسرحية.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور أنتوني تاسا أستاذ الفنون المرئية والمسرحية المساعد في الجامعة ومخرج المسرحية : «إن سبب اختيار قصة النورس بسيط جداً، فالهدف الرئيسي من أي عمل مسرحي، ليس فقط الترفيه لكن لقيمته التربوية».
وأوضح تاسا بالقول:«إن هذه المسرحية هي مثال للكوميديا الروسية الكلاسيكية، فهذا العمل لتشيخوف صعب جداً، وربما العمل الأكثر صعوبة الذي اشتغل عليه الطلبة حتى الآن. ولكن طلابنا أصبحوا مستعدين لمثل هذه الأعمال، وتقديم العروض الرائعة للجمهور».
وحول رؤيته لمسرح تشيخوف، اعتبر تاسا أصبح في نظر الكثيرين، مسرحاً غنائياً والدراما فيه دراما داخلية، أو كما أطلق عليه البعض دراما تحت سطح الماء، أو كما شاع بين النقاد انه مسرح جو، يقوم بإثارة ذكريات الماضي وآمال المستقبل التي لا تزال بعيدة، وهذه سمة وثيمات مسرح تشيخوف.
وتطرق تاسا إلى الهدف من وراء هذه العروض، قائلاً:«إن عرض المسرحية جاء بهدف عرض أعمال فنية مختلفة من جميع دول العالم، لإعطاء البرنامج المسرحي في الجامعة نكهة ثقافية متنوعة تماماً، كما هي حال جنسيات طلبة أميركية الشارقة الذين جاءوا من أكثر من 80 دولة مختلفة. كما أن تنظيم مسرحيات كهذه تثري ثقافة الطلبة الفنية، وهي وسيلة للتواصل مع المجتمع».
الحكاية
تحكي مسرحية «النورس» الشهيرة الميول البشرية لرفض الحب ممن يقدمه لنا مجاناً، والسعي إليه عند من لا يحبنا. ورغم أن هذه المسرحية كوميدية بسيطة، إلا أنها تغوص عميقاً في النفس البشرية ونقاط ضعفها.
فالكاتب الروسي تشيخوف في رؤية هذا العرض، ليس طائراً يحلق فوق مكان الأحداث أو في خلفيتها حسب، إنما هو بمثابة رمز يجمع ويراكم المعنى، وفقاً لسير وتطور تلك الأحداث، فضلاً عن التغيير الذي يطرأ على ذلك المعنى بين الحين والآخر.
مسرحية «النورس» وببساطة.. حكايتها شاب صغير يهوى كتابة الدراما، ويكتب مسرحية لتقوم بتمثيلها الجميلة «نينا» التي يحبها، وتقع «نينا» في شباك حب الكاتب المسرحي الكبير الذي يمارس مهنة وأسلوب الكذب والخداع، ويحطم حياتها، وتحاول «نينا» الرجوع إلى علاقتها الأولى ولكن دون جدوى..
و«النورس» شعرية في جوهرها، فيها تصوير للحياة المغرقة بالخيال، ومزج الواقع بالرمز، إذ أن الكاتب الروسي ينقب عن الأسرار في النفس البشرية لكل شخصيات مسرحياته وهو يحبهم جميعاً.
وفي هذا العرض، تختلط الدموع مع الضحكات والأمل واليأس، ويبرز الشعور بالوحدة التي تنتاب شخصياته.وعلى الرغم من الغرابة الذي ظهرت في بعض مشاهد المسرحية، إلا أنها استطاعت على اجتذاب الجمهور، حيث تتضمن نوعاً من السحر الذي يستحوذ على إدراك المتفرج، إذ لأن خيال «تشيخوف» يلقي نورا على شخصياته، ومنجزه المسرحي لا يقل أهمية عن مسرح أبسن وسترندبرغ.
وفي «النورس»، تسجيل علاقات الشخصيات والصمت والتوقف..وكلها علامات وشفرات رسائل مكتوبة، إذ أن كل الشخصيات تتشابه مع بعضها، شخصيات في المظهر كسالى لكنهم أناس ذو وحيوية فائقة في عالم لامبال، ويعيشون عقم الحياة..
ختاما.. أصبح الكاتب الروسي أنطون تشيخوف بعد موته محبوبا في بلده، وفي أوروبا والعالم.وتبقي فصول مسرحياته مشعة، وبريقها يملأ كل خشبات المسرح.
الشارقة - جميلة إسماعيل

