مثل قاصِ بارع، بنى فتحي بن عثمان فصول فيلمه الأول «عرضي الأول»، حيث اتحدت الصورة الجميلة والمدروسة مع الحوار، ليشكلا معاً رائعة جديدة تنظم لروائع السينما التونسية، التي أصبحت تتطور باستمرار.

واختار بن عثمان أن يعالج في باكورته قضية هجرة الشباب، ورحلة البحث عن المجهول والأحلام الزائفة، التي تصطدم بالواقع بمجرد الوصول إلى حافة الشاطئ الآخر. واللافت أن بن عثمان عالج الموضوع بطريقة سلسة بعيدة عن لغة الردع والجزر التي ينفر منها الشباب، وطرح الموضوع من كل جوانبه الاحتماعية والثقافية والاقتصادية بتقنية عالية وبإخراج ممتاز.لماذا اخترت موضوع الهجرة، لتكون محور فيلمك الأول؟الهجرة هي مأساة إنسانية، ضاربة الجذور وانتشارها اللامتناهي جعل منها ظاهرة مأساوية تعيشها الكثير من العائلات العربية بصفة عامة، فالشاب يحلم بالثراء السريع والسهل والسيارة الفخمة والحياة المثالية، ويدفعه خوفه من الفقر القاتل والبطالة المذلة إلى الهجرة، ليكتشف بأنه كان يلاحق السراب والوهم لا غير، وأن كل ما تروج له وسائل الإعلام عن جماليات الهجرة لا يتعدى كونه مجرد إشاعة.

هل عايشت تجربة الهجرة عن قرب، لتتحامل على الشاب الذي يلقي بنفسه نحو المجهول إلى هذه الدرجة؟

عايشت التجربة من خلال بعض الأصدقاء، ولكن ما يقلقني هو هجرة الشباب المثقف، فبطل الفيلم حاصل على شهادة في التعليم العالي، ويعيش في أجمل مناطق العاصمة، حيث يتجسد فيها الجمال بكل أنوعه وهي مدينة سيدي بوسعيد.

كما أنه من عائلة ميسورة الحال، ويمتلك ورشة فنية يمارس فيها أعماله النحتية ورسوماته، كما أنه يعيش قصة حب رقيقة مع ابنة الجيران، التي رافقته منذ الطفولة، ويتخلى فجأة عن كل ما لديه من نعم الحياة، ليسافر إلى فرنسا مدينة أحلامه، ليعيش في محطة «ميترو» يفترش الأرض ويرسم زملاءه المشردين.

وهذه القصة هي واقع عاشه الكثير من الشباب، فالهجرة عبارة عن ضربة حظ لا تنجح، إلا إذا توفرت لها عوامل النجاح الأساسية. وقد أردت من خلال الفيلم أن أوجه رسالة للشباب العربي بصفة عامة، وخاصة المثقفين منهم، وهي أن أوروبا ليست إلا حلم يعيش في عقول الفاشلين.

علمنا أنك درست الإخراج عن طريق جامعة افتراضية، فكيف حدث ذلك؟

درست في المدرسة العليا للتلفزيون والسينما عبر الجامعة الكندية الافتراضية، وهي عبارة عن جامعة تمد الطالب بمجموعة من الدروس المدفوعة الثمن لمدة سنتين، حتى يتخرج بدبلوم معترف به عالميا.

وهذا الفيلم هو عبارة عن مشروع تخرجي من هذه الجامعة الافتراضية، فدراسة السينما كانت أمنية غالية عاشت معي طويلا، ولم أستطع دراستها في جامعة تونسية، لأنني مرتبط بأوقات العمل، ولذلك بحثت عن جامعة افتراضية، وقد ساعدني بذلك تكويني الأكاديمي في الإعلام.

التكاليف، وهل دعمتك في مشروع التخرج؟

الدراسة مكلفة جداً، ولكنني استطعت أن أصرف عليها من خلال عملي في احدى المؤسسات الحكومية المرموقة، والجامعة لا تدعم مشاريع التخرج مادياً، بل تقتصر على التوجيه الأكاديمي والنظري، وفي المقابل تتيح لكل طالب فرصة المشاركة بمشروع تخرجه في المهرجانات العالمية.

كيف نظر أساتذتك إلى مشروع تخرجك «عرضي الأول» ؟

راسلني المشرف على مشروعي الدكتور الكندي بيار مرسي، وقد أبدى إعجابه الشديد بالفيلم، حتى انه قال لي إن الفيلم صُور بأنامل ذهبية، ويكفي أن تكون شهادة الأستاذ المشرف بهذه القيمة والأهمية، لتؤهلني وتحفزني على احتراف هذا المجال مستقبلا.

ما الصعوبات التي واجهتك أثناء التصوير؟

الصعوبات التي واجهتني تكمن في عدم مقدرتي، على إيجاد منتج تونسي يساعدني من الناحية المادية، فكل شركات الإنتاج توصد أبوابها أمام المواهب الجديدة، وكأن صناعة السينما أصبحت حكرا على طبقة معينة، وأسماء بعينها، وهذا ما جعل السينما التونسية تتقدم بخطوات خجولة وبطيئة.

وفي المقابل وجدت كل الدعم من وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، التي ساعدتني في موضوع رخص التصوير، خاصةً وأنني صورت كل أحداث الفيلم في ضاحية سيدي بوسعيد الراقية، وقد اخترت الضاحية الشمالية بالذات حتى أظهر للمشاهد أن تونس تمتلك جماليات تؤهلها، لأن تكون من بين أبرز البلدان السياحية حول العالم.

كيف تعاملت مع أبطال الفيلم، خاصة وان الفيلم هو التجربة الأولى لفريق العمل ككل؟

الأمر كان بالنسبة لي بمثابة التحدي، لا أنكر أن السيطرة على الوضع كانت صعبة، خاصةً وان الفيلم هو بالفعل التجربة الأولى لكل الممثلين، ولكنني توفقت في الاختيار، مع العلم أن كل فريق العمل، لم يطالبني بأي أجر مادي.

هل ستشارك بالفيلم في مهرجانات عالمية؟

الفيلم سيشارك في مهرجان الدار البيضاء في المغرب، وفي مهرجانات كندية وأوروبية، لا أزال أجهل أسماءها، وتلقيت أيضاً دعوة للمشاركة من مهرجان قليبية لأفلام الهواة، كما أتمنى أن يُعرض فيلمي في تونس لأن نجاحي في بلدي لا يضاهيه أي نجاح آخر.

تونس ـ ضحى السعفي