صوت عذب كنسيم أكتوبر ولقاء الأحبة بعد الفراق، وأنغام تسحر القلوب تنسي المرء كدر الأيام؛ وبينهما تسكن روح فنانة جمعت الحب وكلمات العشق المُعتقة بفيض صوتها الدافئ..

من حياة بيروت وبلاد الأرز ومؤانى الحنين اللبنانية، انتقلت عبر رحلة الغياب والمنفى، إلى درة إسكندنافيا العاصمة السويدية إستوكهولم، بحثاً عن السلام والحياة بسكينة، بعيداً عن الخراب والحروب التي مزقت وطنها اللبناني الذي فارقته، وهي في الحادية عشرة من عمرها لتستقر في بلاد الغربة؛ إنها الفنانة السويدية - اللبنانية الأصل والروح- نينا التي طفنا معها في بعضٍ من عوالمها الجميلة.تقول نينا التي تؤدي الغناء العربي بكل أنواعه وتعشق الجاز، وتقدم تراث الشرق الفني بنكهة غربية: ''لقد هاجرتُ من لبنان مع والدتي، بعد أن فقدنا الأمل بالسلام والاستقرار أيام الحرب، ورغم أني غادرتُ إلى السويد في سن مبكرة؛ إلا أن صوت فيروز وموسيقى الرحابنة ظلا عالقين في ذهني. وكان غناؤها الرائع هو سر ارتباطي بلبنان، بينما كانت شفرة أسراري مع صوت نجاة الصغيرة وسيد درويش الذي أعشقه حد الجنون، وعلى العكس من بعض الناس الذين تنسيهم الغربة والمهاجر أصولهم وأوطانهم وطبيعة حياتهم؛ فإنني أزداد تعلقاً بلبنان والمشرق، أكثر كلما طال أمد رحلتي في الاغتراب''.

ولا تقتصر نينا على غناء وأداء الأغنيات الشرقية بصوتها العذب؛ بل أنها تعزف على العود، وتؤدي دور الموزع أو «الدي جي» لتكون بذلك فرقة كاملة؛ الغناء بطريقة جميلة وخامة مميزة، والعزف المبدع على آلة العود الإلكترونية التي تحتضنها كما الأم وطفلها، وآلة الأورك التي تقسّم عليها وتوزع أغنياتها، فكيف بدأ مشوارها مع العود والموسيقى؛ تعترف نينا ورغم أدائها للأغنيات في السويد، بأنها جاءت متأخرة بعض الشيء لعالم الموسيقى، وتعلم العزف والأنغام الشرقية، وتبدأ رحلتها الحقيقية وعروجها في عالم الفن حين كانت في عمر الرابعة والعشرين، حين رغبت بزيارة مصر لمشاهدة الأهرامات، لكن زيارتها امتدت لأكثر من 3 سنوات.

تقول عن أيامها في مصر: حين تجولت في مصر وشاهدت عظمة الإبداع المعماري هناك، شدني إليه مقر معهد الموسيقى العربية في القاهرة، ذلك المبنى الأسطوري الطراز، الذي يبهر القلب قبل العين، وأوجد لدي شعوراً غامضاً بعشق المكان، فسألتُ عن إمكانية الانتساب إليه.

وانتسبتُ إليه بالفعل، وكنتُ آنذاك أتوق لدراسة وتعلم العزف على البيانو؛ إلا أن العود وما يمثله من تكوين وتمثيل حقيقي للشرق بنغماته وأصالته، استطاع أن يتركني في أسره لثلاث سنوات كاملة من دراسته، وبدل أن أعود من رحلتي تلك، بالصور التذكارية عن الأهرامات التي رغبت بمشاهدتها؛ عدتُ أحمل العود والشهادة الموسيقية بيدي لأنطلق بعدها في بلدان أوروبية عدة.

غنّت نينا في العديد من البلدان العربية والأجنبية: مصر، لبنان، عمان، الإمارات، أسبانيا، السويد، اليونان، فرنسا، هولندا.. وكان لاشتراكها في مهرجان الجاز الذي أقيم العام الماضي في دبي قبولاً واسعاً من الجمهور.

ورغم استقرارها الطويل في السويد؛ إلا أن نينا لم تؤدِ الأغنيات الغربية، وهي ترى بأن تقديمها لأغنياتها عبر العود الإلكتروني يقربها أكثر من شريحة واسعة من الجمهور العربي والغربي، لكنها تعترف بأن العود التقليدي يحمل حنيناً لا يمكن التعويض عنه بأي آلة موسيقية أخرى، وقد عُرض عليها العديد من المشاريع الفنية كإصدار إلبوم خاص بها؛ إلا أنها لم تقتنع يوماً بها، وهي تبحث عن مشروع ألبوم جرى تأجيله طويلاً، ليكون بمثابة المرآة الحقيقية التي ستقدمها للجمهور.

أبو ظبي - محمد الأنصاري