للسينما في العراق لون خاص، ولمشاهدها نكهة مختلفة، ولعدستها التي ترصد التفاصيل.. تفاصيلٌ أخرى تلفت الأنظار وتجذب الجميع لمتابعتها بتمعن وتدقيق، وهي التي حازت على إعجاب الكثيرين، ولا تزال أفلامها تتصدر فضول المتابعين؛ ولكن أما آن الأوان للخروج من دائرة العتمة إلى النور، من الواقع المؤلم إلى فسحة الأمل ؟ ، فكل ما ترصده عدسة المخرجين العراقيين هواة ومحترفين يدور في فلك واحد؛ أبرز ملامحه الحزن والنار والقتل والمعاناة، فلماذا هذه الصورة لا تبرح المشهد السينمائي العراقي؟

المخرج العراقي قاسم الذي نال الجائزة الثانية عن الفيلم الوثائقي في مهرجان الخليج السينمائي عن فيلمه «حياة ما بعد السقوط»، وذلك بعد أن تمكن بحرفية سينمائية عالية من دمج الواقع الخاص بالعام، ورصد مختلف التحولات في بلده الذي يمر بمرحلة حرجة، توقف معنا قليلاً لاستكمال حوار النظرة التشاؤمية العراقية، وتبيان لماذا تبقى الصورة العراقية حزينة ومظلمة، بينما مشاهد المخرجين الآخرين كوميدية وزاهية.قاسم العراقي قال إن السينما تظل جزءاً من أشكال الواقع السياسي والاجتماعي في العراق، ولا يمكن إنجاز أي عمل سينمائي بعيداً عن هذا الواقع الذي لا يزال إلى الآن مراً، وعلى هذا الأساس تبقى الأفلام العراقية بنكهة الحزن والألم رغم احتضانها لمشاهد فرح أخرى تعنى بالأمل.

«حياة ما بعد السقوط» وثائقي طويل، فيه الفرح والحزن والنصر والهزيمة والتأمل والخوف.. هكذا الحياة، ولا أحد يتصور أن الحياة فقط فيها قتل وتفجير، بل تختصر أيضاً ملامح أخرى للفرح، ففيها أطفال وشباب يذهبون للمدارس والجامعات، وأعياد وموسيقى واحتفالات، والفكرة الختامية للفيلم العراقي هو أنه يروي كيف يعيش الشعب العراقي بكل تجرد.

ويضيف المخرج قاسم عبد إن في العراق 3 ملايين أرملة، فالمعاناة لا تزال قائمة، حيث أن العراق مّر بثلاثة حروب، وتعرض لحصار 13 عاماً، وكل هذه المتغيرات ظلت مصادر للعنف والألم والتناقض وعدم الاتفاق، حتى وصل العراق لمرحلة الصراعات المدمرة، ومع ذلك فالمخرج العراقي لا يرفض الأمل ومخطئ من يصفه بصاحب النظرة السوداوية وحسب.

الحياة في العراق تعافت إلى حد ما رغم بعض الأمور الصعبة، فهناك واحات للأمل، وأنا كسينمائي عراقي ـ كما يضيف قاسم ـ لن أظل في ذات الدائرة، وربما سأبحث عن موضوعات فيها بصيص نور للخروج من النفق، فقبل عام كانت الحياة تنتهي في العراق عند الخامسة مساءً، واليوم تستمر حتى الواحدة بعد منتصف الليل، وبالتالي تظل السينما انعكاساً للواقع، ولا يمكن أن نصور دائرة فرح في مأتم «مثلاً».

وكما يوضح قاسم عبد، فإن المخرج العراقي جزء من المجتمع والوطن، وعمله بالتأكيد يعكس أحاسيس الجمهور، فهو شخص يتأثر عندما يقتل عمه، أو يفجر بيته، أو يتعرض لأخطار أخرى كما هو حال الشعب العراقي.

الأهم كما يضيف عبد هو أن النظرة السينمائية العراقية لا تريد لذاتها وصمة الحزن، فالسينما ليست غرفة للبكاء والألم والحزن، وإنما تظل متنفساً ينثر المتعة والحب والجمال، فيما المشكلة الأكبر هو أن المخرج لا يملك أن يغير الواقع، بقدر ما يسعى إلى عكسه ونقل رسالة مصورة، فلا طاقة للسينما أن توقف حرباً أو تغير نظاماُ، بل إنها تظل حلقة للتواصل مع الآخر، وهي بالتالي تعكس الهم الإنساني.

ويعود قاسم عبد في حديثه متسائلاً: «العراق وصل إلى حافة الحرب الأهلية، فكيف تخرج من ناسه وأهله الفيلم الكوميدي مثلاً»، ففي العراق صعب جداً أن تجادل أحداً يحمل السلاح، وذلك على الرغم من وجود كم هائل من الشعب بلا صوت.

وبحسب ما يؤكد قاسم عبد فإن المخرج العراقي لا ينسجم إطلاقاً مع الواقع الحزين للفيلم الذي يصنعه، ولا أحد يختار لذاته دائرة السواد، وإنما هو الواقع يفرض نفسه كما هو، ولا مجال للهروب من صرخات استنجاد دفينة في الوجه العراقي، والسينما أولاً وأخيراً تعكس الصورة كما هي، ولا مجال من البحث عن مخارج للنور داخل النفق طالما وجد أثرا لها.

أحيانا كما يقول قاسم، وبشكل عاطفي وتلقائي تصادف المخرج مجموعة من المؤثرات، فبعد فترة يرجع إلى نفسه، ثم سرعان ما يعود لطرح القضية التي تشكلت برأسه بفعل المحيط الذي أثر فيه، ومن خلال السينما فقط يمكن لمن تملكته مشاعر التعاطف أن يدافع عن أناس ويرفع على الأقل صوتهم عبر الشاشة، وهو أضعف الإيمان، لذلك لا تبرح السينما العراقية تفارق واقع الحزن والألم، الذي ربما هي لا تريده، ولكنه يبقى واقعاً، فكيف للكوميديا أن تتشكل من ملامح 3 ملايين أرملة في العراق، فبالتأكيد الإجابة تحتاج إلى سنوات.

دبي ـ عنان كتانة