هل الإشكالية تكمن في سينما عراقية أم في فيلم عراقي؟ الإجابة على هذا التساؤل، وجدناها في مهرجان الخليج السينمائي الثاني، الذي كشف فعلاً عن مواهب سينمائية حقيقية للمخرجين العراقيين. وشكلت الأفلام الوثائقية 90 بالمئة من الإنتاج السينمائي، بينما بلغت نسبة الأفلام الروائية 10 بالمئة منه.
والسبب في ذلك يعود إلى ضغوط الواقع السياسي، التي فرضت نفسها على السينما، وجعلت هؤلاء المخرجين ينخرطون في إنتاج الأفلام الوثائقية المعتمدة على التمويل الذاتي.فالجيل الحالي حائر بين طموحات الأفلام الروائية صعبة التحقق والأفلام الوثائقية سهلة التنفيذ. لقد تمكنت هذه السينما أن تجمع أجيالاً متعددة في المنفى والداخل، يحاولون جميعاً البحث عن سينما عراقية عبر مفردات: الدراما الوثائقية، واللقطة الواحدة والفيديو آرت، وألوان الريشة والواقعية، كما هو الحال عند ستة مخرجين نستعرض أفلامهم، في القراءة التالية:المخرج علي هاشم حسين، الذي يعمل في دائرة السينما في وزارة الثقافة العراقية، يحاول ببراعة في فيلمه الروائي الوثائقي «روح السينما» أن يجمع خيوط السينما بصورة درامية في هذا البلد. ويتناول في أحداث فيلمه، تعلق شخصية «مجيد حميد» بالكاميرا، ومجيد من قدماء المصورين السينمائيين العراقيين، الذي شهد على جميع مراحل السينما العراقية بحلوها ومرها، باستخدام الكاميرا الفوتوغرافية كتعويض لفقدانه السينما.
ولعل تعلقه بهذا الفن جعله يتمسك بكاميرته من طراز 16 ملم، ويجوب حتى أثناء تواجده في المستشفى، وهو يقوم بفك اللفافات من ساقه الجريحة. استطاع المخرج أن يصور في أماكن عديدة من العاصمة العراقية ومنها جسر الشهداء، وباب المعظم، وسوق الهرج، ومقهى الزهاوي ومحلات الجقماقجي للموسيقى وغيرها من الأماكن.. وما يميز هذا الفيلم تركيزه على البعد الدرامي والعاطفي لحب السينما، من دون أن يقع في الميلودراما الساذجة.
الفنان علي عساف، المقيم في روما منذ سنوات طويلة، والآتي من عالم الرسم والتصوير الفوتوغرافي، استطاع بفيلمه «أنا هي .. أنا هو» أن يطرح عبر تقنية الـ «فيديو آرت» ما يعانيه البلد من صراع طائفي. واستمد فيلمه من فن الأداء مع مجموعة من الفنانين الإيطاليين وغير الايطاليين في إحدى ساحات روما.
وقد مثل ذلك بنفسه قبل أن يصور فيلمه. وقد وصلت الانقسامات إلى أوجها في عامي 2006 و 2007. وكما يقول المخرج: «إن هذا الأمر جعل الايطاليين يمزحون معنا قائلين: أنت شيعي أو سني؟ ولا يقولون أنت علماني أو يساري أو يميني».
واستخدم عساف في فيلمه شابين يمثلان الجيل الجديد، يحمل كل منهما لافتة تتوالى عليها أسماء الطوائف في العراق، إلا أنهما سرعان ما يلتحمان في نهاية الفيلم. ويؤكد المخرج بأن «كل فئة بدأت تدّعي حقها في حكم العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري، من دون أن تعترف بقبول الآخر». وتم إهداء الفيلم إلى شهيد الثقافة العراقية المفكر كامل شياع الذي اغتيل بدم بارد.
وينقل المخرج جمال أمين، بفيلمه «فايروس» مرض الطائفية إلى خارج العراق وخاصة بين الأجيال الشابة. وهو عبارة عن رحلة يقوم بها خمسة شبان يعيشون في الدانمارك، وسرعان ما ينشب الخلاف بينهم حول انتماءاتهم المختلفة.
وينتمي هؤلاء الشبان إلى المكونات الرئيسية الموجودة في العراق: الشيعة والسنة والأكراد. وكان المخرج يرغب في تصوير «فلاش باك» عن العنف الطائفي، ولكنه لم يتمكن من الحصول على أرشيف، ونظراً لصعوبة تحويل أفلام الـ «في أش. أس.» أو « اليوتيوب» إلى أشرطة صالحة للعرض.
وينتمي هذا الفيلم إلى اللقطة الطويلة الواحدة التي تكثف الموضوع. وتدور أحداثه داخل سيارة أحد هؤلاء الشبان، على الطريق الموصل بين مدينتين، حيث يكشف عن عدم استيعاب هؤلاء الشبان لثقافة الآخر ولم يتعلموا مبدأ التسامح، بل يدفعهم التعصب إلى نبذ الآخر وعدم قبوله، ولكن المخرج يرى في النهاية أن مصير هؤلاء الشبان، ينصب في طريق واحد، وهو التآلف والاتحاد في دفع عجلة التقدم إلى الأمام.
أما فيلم «عكس الضوء» للمخرج قتيبة الجنابي، الذي يعمل بين لندن وبغداد، فهو يطرح حالة اغتراب الفنان العراقي عن بيئته، وخاصة بالنسبة للفنان التشكيلي الذي يفقد واحدة من أهم أدواته، وهي الضوء الذي سافر إليه الفنان العظيم ديلاكروا إلى المغرب، ليتشبع به بعد أن افتقده في باريس، وأثر ذلك على إنتاج أجمل لوحاته «الشرقي»، فيما نرى الفنان العراقي يذهب «عكس الضوء» إلى حيث يفتقده الغرب متمثلاً بمدينة براغ عاصمة جمهورية التشيك. واستطاع المخرج بتقنيات عالية من المزج بين ألوان لوحات الفنان الصارخة، والواقع الرمادي الذي يعيش فيه.
ومن خلال تتبعنا للفنان التشكيلي محمد صبري نشعر بأنه يشبه الفراشة، التي لا تستطيع العيش بدون ضوء. لم يكن فيلم «عكس الضوء» تقليدياً في رؤيته، إذ أن صوت الفنان اختفى ليحل محله ضجيج الحياة المحيطة به.
إنها حالة انفصام حقيقية بين ألوان لوحاته الزاخرة بروح الشرق والواقع الأوروبي الذي يلفه الاغتراب والضباب. هذه الريشة يمكن أن تستمر في رسم اللوحات، ولكنها لا تحيا هناك لأنها خارج بيئتها، لذا تصبح عزلة هذه اللوحات جزءاً من عزلة الفنان وذكرياته في مرسمه، الذي لا يعدو أن يكون قبواً يطل على مدينة تزيد من العزلة والاغتراب الروحي. وتمكن المخرج قتيبة الجنابي من تحويل كاميرته إلى ريشة رسام، يغمسها في ألوان الفنان الخارجة من أعماقه.
أما المخرج قاسم عبد فقد استطاع في فيلمه «حياة ما بعد السقوط» المزج بين الوثائقية والروائية بطريقة بارعة، بحيث لم نعد نستطيع التمييز بين وثائقي وروائي. ويقول عبد في هذا الصدد: «السينما الوثائقية هي دراما الواقع، نحن نعمل بأدوات السينما، وفي الفيلم الوثائقي يجب أن نبحث عن قصة وشخصيات وموضوع وتناقضات، ويكون هناك بداية ونهاية وبناء. لذا فإن أسلوبي يعتمد على البناء القصصي داخل الفيلم الوثائقي».
وابتعد عبد الذي عاش سنوات طويلة في لندن عن الرؤية الأيديولوجية المسبقة للأحداث. وقام بتصوير عائلته التي لم تفقد أحد أبنائها إلا بعد «السقوط»، على الرغم من أنها كانت تعاني من النظام السابق، وعلى الخصوص في الخراب الروحي الحاصل. وتمكن المخرج، بتقنيات سينمائية بسيطة ولكنها أصيلة، من نقل أجواء الحرب والاحتلال وسقوط النظام وتأثيراتها على حياة الناس.
إنها ملحمة أبطالها أفراد عائلته، التي حمل أفراحها وأحزانها عبر العدسة، وحوّلها إلى تاريخ لبلد بكامله.. واستطاع تحويل الوثيقة إلى روح نابضة بالحياة، وشخصياته إلى باحثين عن الخلاص عبر الهجرة ثانية، في خضم حرب عمياء لا ترحم ولا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن بظهور العنف الطائفي والتمزق الذاتي للأفراد.
ويغوص المخرج فاروق داود، الذي أنجز عدداً من البرامج الوثائقية، عبر فيلمه «ذاكرة وجذور» إلى أعماق المجتمع العراقي من خلال استعراض تاريخه المرتبط مع عوالم الكاتب العراقي المعروف غائب طعمة فرمان، الذي يقترب بحضوره وأعماله من نجيب محفوظ في مصر. فهو لا يتحدث عن تفاصيل حياته فحسب، بل عن مدى ارتباط روح أعماله بالمجتمع العراقي. واستطاع المخرج أن يحصل على وثائق مصورة من الأرشيف الروسي، ما لم يتوفر حتى في داخل العراق.
كما حاول أن يبعث النبض في هذه الوثائق، من خلال التصعيد الدرامي للشخصيات التي يطرحها في الفيلم، لجهة مراقبة انفعالاتها وردود أفعالها وسلوكها، بطريقة سينمائية متسلسلة، أبعدتنا عن الملل.
وتأخذ الغربة في الفيلم حيزاً كبيراً، وخاصة أن المجتمع العراقي عرف هجرات متعددة نتيجة للأوضاع السياسية غير المستقرة فيه. هكذا عمل المخرج على أن يصهر كل هذه الوثائق في فيلم ملحمي، يعكس معاناته عبر القلق والحيرة والتساؤل في ظل أنظمة صارمة.
ومن خلال انتقالاته لا نشعر بأي قطع يؤثر على تسلسل الفيلم لأنه استطاع «منتجته» بطريقة مبدعة، من خلال انتقالاته من الأسود والأبيض إلى الألوان ومن الماضي إلى الحاضر.
وبالعكس حيث تتداخل جميعها في رؤية سينمائية مشوقة وذات دلالات رمزية، تعيد خلق سيرة ذاتية للفرد والشعب في آن. وفي كل هذا الشريط، تكون العين السينمائية حاضرة في رؤية مراحل تاريخية ممزوجة بحياة كاتب فرد. وهذه ليست بالمهمة اليسيرة في الفن السينمائي وفي فيلم لا تتجاوز مدته أربعون دقيقة.
دبي - شاكر نوري

