الفيلم الذي قد يثير مشاهدين في الصالة (كون أبطاله لم يأتوا على أكل الضفادع الكثيرة التي تتنطط في مشاهده)، رغم أن (الناس في تايلاند يأكلون القرود، فلا يشعرون بالجوع ولا يحيون عيشة ضنينة)، قد لا يحتمل هذا القدر من السوريالية التي يراد زجه في إطارها.
إنه بكل بساطة فيلم عراقي، عرضه (مهرجان الخليج السينمائي الدولي الثاني) قبل أيام في دبي، وصوّر البؤس الذي زرعه صدام حسين في مناطق الأهوار جنوب البلاد، حين قام بتجفيف 96% من المساحات المائية عقابا على انتفاضة أهلها ضده في 1991. في تلك الجزر الطبيعية، التي يعتقد انها هي (جنات عدن) الموصوفة في الأساطير.والتي يحمل تاريخها حكايات عن لجوء المضطهدين للاختباء فيها (الزنوج والظط والعراقيون) صوّر الفيلم كيف أن (المتمرد) ينال عقابه بالموت بأمراض الجفاف، والفارين ومساندويهم ينتهون جثثا في حظائر الأوز الخلفية. حيث الإنسانية تسحق ببطش العسكر، والآدمي لا يعود يعلم من يريد قتله اولا، أميركان حرب الخليج الأولى، أم بعثيو صدام، أم لدغة السم في حشرات النهر القاتلة، أم هو الخوف نفسه من كل تلك الاحتمالات المتسابقة على إفنائه، في تلك الجزر المائية التي ينبثق من بين أشجارها (فجر العالم).
يحمل الفيلم الروائي الأول للمخرج العراقي الفرنسي عباس فاضل ذلك العنوان، الذي تكتبه عيون زهرة (حفصية حرزي) في احد المشاهد التي تبتسم بها للفجر الطالع رغم الخراب والموت والتشريد وانتهاك الروح والجسد.
لقطة وحيدة تقول عنوان الفيلم الذي عرض، للمرة الثانية في دبي، في مهرجان الخليج السينمائي الثاني، وقبلها بشهور كان الجمهور قد شاهده في مهرجان دبي السينمائي. كما أتى من (فيزول الدولي للسينما الآسيوية) بفرنسا محملا بجائزتي النقاد والجمهور، ومن كوريا الجنوبية بإعجاب رواد (بوسان الدولي)، ويتحضر للعرض التجاري في أوروبا والعالم خلال الأيام القليلة المقبلة.
حمل فاضل الجنسية الفرنسية، وتاريخا من انجاز الأفلام القصيرة، كذلك الهم الذي يحمله كل عراقي (مجّر) وليس (مهاجر)، على حد وصفه لصيرورة مغادرة العراقي ارضه تاريخيا، قبل أن يقدم على انجاز فيلمه بتمويل فرنسي الماني، بعد أن (تخلى عني المنتج الإيراني، ومحونا سنتين كاملتين من التحضير المضني لانجاز الفيلم في الجانب الإيراني من الأهوار)، قبل ان يولي وجهه صوب مصر، (حيث بور سعيد، وبحيرة المنزلة وواحة الفرافرة، بيئة صالحة لتجسيد صورة الأهوار العراقية).
في 15 يوما، كان على فاضل أن يلبي شروط التمويل الفرنسي بالحصول على ممثلين عرب لديهم جنسيات فرنسية، والتعامل مع المصاعب اللوجتسية ( وربما السياسية ضمنيا) التي واجهها في مصر، وأودت في مرات الى عرقلة أساسية للتصوير تمثلت بحجز معدات التصوير كاملة في جمارك بحر بور سعيد.
رغم ذلك انجز الفيلم الذي تدور أحداثه في وقت حرب الخليج الثانية، عن مجند ( اللبناني كريم صالح) يعد رفيقه، في لحظات احتضاره في احدى المعارك، أن يعتني بزوجته (التونسية الجزائرية حرزي) التي تركها عروسا في الأهوار، فيعود لكي يطلب منها الزواج، وتتوالى الأحداث التي يتدخل فيها البعثيون للقبض على الجندي الفار، وحرق بيوت السكان بوصفهم متكتمين على المتمردين والهاربين الى إيران.
ويرمي الأميركيون مناشيرهم، فلا يفهم السكان (لماذا يغرب هؤلاء من ترك بلادهم والمجيء الى آخر الدنيا، لكي يقتلوا ويقصفوا ويحاصروا)، ويعوي الكلب، حارس البيوت المختبئة بين القصب، كلما ذكر أحدهم اسم صدام، فهكذا دربه أصحابه، في ممارسة تمثل أبسط شكل من أشكال التمرد على الطاغية.
عن الجماليات البصرية التي وهبتها بيئة الاهوار (أو شبيهتها المصرية) للفيلم والتي ولّفتها التقنية الإخراجية وسخاء التمويل الأوروبي، ببراعة متناغمة مع ايقاع الفيلم كاملا، مشتملا على حركة الممثلين ونطقهم، قدم فاضل في أولى تجاربه الروائية مغامرة سينمائية تجرأت على الخروج من كادر العراق المحتل منذ 2003، الى ما قبل ذلك. ذلك ال(قبل) الذي كان محظورا الحديث عنه وانتاجه في شتى أشكال الفن.
ثمة خزين من الأحداث الانسانية في العراق، في تاريخه الحديث، ما يصلح لأن يشكل قماشة سينمائية مغرية، قبل أن تنتهك بغداد وتتحول الى مدينة الضحايا والمشردين والفارين من مستشفى الأمراض النفسية (وهي توليفة لافتة وان كانت كلاسيكية قدمها العراقي الشاب محمد الدراجي في فيلمه أحلام قبل عامين).
ثمة أهوار تم تجفيفها قصرا لكي يموت سكانها، القاطنيين هناك منذ آلاف السنين، بأمراض الطمي والتربة المتشققة. كارثة انسانية تصفها سجلات الأمم المتحدة بأسوأ كارثة بيئة تسبب بها انسان على مر التاريخ. ثمة سموم كيماوية لا تزال عالقة في قعر دلتا النهرين، وثمة بقايا جثث لا تزال تطفو على الحدود الايرانية العراقية، كلما اشتدت ريح وفاضت مياه، حتى يومنا هذا.
سيحسب لفاضل، من دون شك، لبنة التأسيس الأولى، لسينما عراقية جديدة، ستغرف خلال السنوات المقبلة من تاريخ كان الى وقت قريب أخرس. تيار لمحنا بعض انتاجاته في مهرجان السينما خلال السنتين الماضيتين، وكان حضوره بارزا في مهرجان الخليج السينمائي هذا العام، حيث شاهدنا الفيلم القصير للإيراني باباك أميني (ملائكة ماتوا في التراب)، عن فتاة كردية، تعمل على نبش قبور قديمة تعود الى الحرب الايرانية العراقية، وتبيع ما تجده من عظام مدفونة تحت الثلوج.
عاب أحد (النقاد السينمائيين)، في الجلسة التي أعقبت عرض الفيلم، على المخرج، تصويره حياة سكان الأهوار بأنها فقيرة، (رغم أن لديهم الضفادع التي ظهرت في مشاهد كثيرة من الفيلم، )فلماذا لا يأكلونها؟.
وهو بالطبع، لم يكن الانتقاد (الأبلغ) الذي وجه للمخرج وكاتب السيناريو ايضا، فاللائحة تبدأ من (ادعاء أن بحيرات مصر هي الأهوار)، وتمر ب( نطق الممثلين الذي لم يجار لكنة المعدان التي يتكلم بها اهالي الأهوار)، وصولا الى (رتابة الإيقاع في الأداء التأملي للممثلين). ثمة حاجة حقيقية تبرز للسؤال: هل يريد المشاهد العربي، فعلا، سينما تذكره ببؤسه؟
دبي- إبراهيم توتونجي

