من شاشة التلفزيون الصغيرة إلى المسرح.. هكذا انتقلت أغنيات شارات عدد من الأعمال الدرامية الشهيرة، التي ألَّفها المايسترو والمؤلف الموسيقي طاهر مامللي، لتكون مادة موسيقية مغرية، قدمتها أوركسترا أورنينا بقيادته أمام جمهور كبير احتشد لسماعها على مسرح دار الأوبرا في العاصمة السورية دمشق.
خلال الحفل الذي ضم مجموعة متميزة من الموسيقيين والمغنين، بدت الشارات الموسيقية بعيداً عن أحداث المسلسلات وتفاصيلها بكامل حيويتها، وقد ظهرت قيمتها الفنية، وحجم العمل المبذول من خلال تسليط الضوء على الكادر الضخم الذي تحتاجه هذه الشارات.. ولعل الحفل جاء في الدرجة الأولى لرد الاعتبار للعاملين في الشارات.. وقد أضحت اليوم عامل نجاح أساسياً لكل عمل درامي، وجزءاً من ذاكرته.. وربما الحامل الأساسي هذه الذاكرة، بعد أن كان دورها مجرد إضفاء الملامح والصفات العامة للعمل الدرامي.وعادة ما كان يغيب عن الأذهان، اسم مؤلف الموسيقى التصويرية وشارة المسلسل أو مؤديها، ليترسخ اسم مخرج المسلسل وكاتبه والممثلين.. ويأتي الحفل الموسيقي الخاص بشارات المسلسل بداية، اعترافاً بقيمة المؤلف الموسيقي.. وربما مزاحمة المخرج والكاتب على نجاح العمل...
وهو الأمر ذاته الذي ألمح إليه الممثل نضال سيجري الذي قدم الحفل قائلاً، إنه لا يمكن أن نتخيل مسلسلاً أو فيلماً من دون موسيقى، مضيفاً.. لكن في هذا الحفل سنستمع إلى موسيقى دون مسلسل.
والفارق بين الحالتين، كما تحدث عنهما نضال سيجري، ربما يكون بسيطاً لكنه فارق مهم، فالحاضرون تلقوا الشارات كلحن أطرب آذانهم، وكلمة خلقت لديهم حالة تعبيرية وجمالية سواء فيما يتعلق بقضايا قومية «أيها المارون»، أو اجتماعية «أراك عصي الدمع»، وغيرهما فيما بقيت المسلسلات وشخصياتها والبناء الدرامي لها مجرد ذكرى.
واسترعى الحفل انتباه وإنصات الجمهور منذ البداية بافتتاحية للفنان طاهر مامللي، لتتالى بعدها شارات «زهرة النرجس»، «التغريبة الفلسطينية»، «زمن الخوف»، «الانتظار»، «جنون العصر»، «أهل الغرام»، «خلف القضبان»، «ذكريات الزمن القادم»، «أحلام شقية»، «ضيعة ضايعة»، «عصي الدمع»، «جمال الروح»، «جبران»، «بقعة ضوء» و«صلاح الدين».. كثير من هذه الأغاني ذاع صيتها وقت عرض مسلسلاتها ونال عنها طاهر ماملي أكثر من جائزة.
اجتمع لتأدية موسيقى هذه الشارات عدد من الموسيقيين المعروفين من أجيال موسيقية مختلفة في سوريا وصل عددهم إلى 24 عازفاً، بقيادة المايسترو مامللي، مزجوا خلاله الهارموني بالأوبرا والكلاسيك مع الآلات الشرقية... وقد شارك في ظهورهم على المسرح فريق تقني مختص بالإضاءة والصوت والديكور.
بينما أدى الأغنيات تسعة مغنين أبرزهم مغنية الأوبرا «ديمة أورشو» و«ليندا بيطار» و«عامر خياط» الذي تميز بصوته وأدائه عندما غنى شارة التغريبة، إضافة إلى «نورا رحال» التي جاءت من مصر خصيصاً لتشارك في هذا الحفل.
الموسيقار «طاهر ماملي» قال إن «شارات المسلسلات الموسيقية التي أحبها الناس وحققت نجاحاً جيداً على المستوى العربي هي نتيجة جهود مجتمعة بين كل العازفين»، لافتاً إلى أن هذا «الحفل جاء ليؤكد ذلك، إذ إن كل عازف هو جزء من هذا النجاح».
وألمح الفنان مامللي إلى أن «اختيار الشارات التي قدمت في الحفل، لم يتم بناءً على نجاح المسلسل أو فشله، بل جاء بما يناسب برنامج حفل موسيقي على المسرح مع مراعاة أن الموسيقى على المسرح تختلف عنها في التلفزيون.
وأوضح مامللي أن «نجاح الشارة مرتبط بنجاح المسلسل، والدليل أن هناك أعمالاً موسيقية مهمة لم تصل إلى الجمهور، لأن المسلسل فشل في الوصول إليهم»، مشيراً إلى أنه «عندما ينجح المسلسل، فإن كل تفاصيله تنجح ومن بينها الشارة والموسيقى».
وقال طاهر مامللي ختاماً: «إن الشارة الموسيقية يمكن لها أن تصنع مغنين نجوماً على الصعيد التخصصي، لكنها لا تفعل ذلك على صعيد الشهرة»، وختم حديثه بأسف قائلاً «إن الذائقة المحلية والعربية صارت في انحدار، لدرجة أن الأغنية الشبابية، طغت على أهم عمل فني آخر».
خلاصة القول، إن شارة الاعمال الدرامية التي قدمها طاهر مامللي، لفتت الأنظار الى فنان متوهج بخياله وبآلية تفكيره في الأعمال التي قدم شاراتها بكثير من الفهم للعملية الفنية والدرامية، وهذا يحسب له ويضيف الى رصيده مؤلفاً موسيقياً درامياً بامتياز.
دمشق - ماهر منصور

