تعد موسيقى الأعمال الدرامية البوابة الأولى، التي تدخل المشاهد مباشرة في متن العمل الفني من خلال مقطوعة منتقاة بعناية واهتمام شديدين، بحيث يتاح للمتابع أحياناً معرفة الأجواء العامة للعمل، من خلال الشارة التي تغنى وتلحن من قبل طاقم اختصاصي. لذا صارت شركات الإنتاج تجتهد في بذل أقصى اهتمام لها، من اجل أن تؤدى الشارة من وحي العمل الدرامي ذاته.

ويبدو أن الاهتمام بهذا الأمر، ليس وليد اليوم، إذ أن التلفزيون استعار هذا التطور الدرامي الفني من السينما، حيث عرفت أفلام أم كلثوم عربياً، بفضل أداء كوكب الشرق لشاراتها الموسيقية، وكان ذلك بمثابة تكريم لها على اعتبار أنها واحدة من أبرز المطربات العربيات في تلك الحقبة الزمنية، ثم صارت تؤدى بأصوات فنانين آخرين.ويبدو أن فريد الأطرش هو الفنان الثاني، الذي يؤدي بصوته شارات أفلامه، من خلال أغنية له يفتتح بها العمل، واستطاع أن يخلق تمهيداً حقيقياً للفيلم. وقدمت الدراما تعبيراً مهماً عن تطور هذا الأمر فنياً وتقنياً من السينما إلى التلفزيون، حيث تعتبر موسيقى مسلسل «ليالي الحلمية»، واحدة من أكثر شارات الأعمال الدرامية العربية تميزاً بصوت الفنان محمد الحلو، واجتهد الكاتب أسامة أنور عكاشة، على أن تكون أعماله الدرامية ذات شارة غنائية مميزة..

وكما حصل لاحقاً مع «أرابيسك»، وقبله مع «عصفور النار»، و«قال البحر»، و«أهالينا» وغيرها من الأعمال الأخرى.. بحيث تشكل الشارة الغنائية في أعمال أسامة أنور عكاشة، عناقاً مفصلياً بين الزمان والمكان، ورؤية تعبر من فضاءات الشخصيات والمواضيع، الى خيال المشاهد عبوراً آمناً لا تعقيد فيه.

ويعتبر المؤلفان الموسيقيان عمر خيرت وعمار الشريعي من أشهر الفنانين المصريين، الذين عرفت موسيقاهم في الدارما التلفزيونية المصرية.

حيث قدم خيرت موسيقاه إلى مسلسلات مثل «وجه القمر» و«عفواً أيها القانون» وفيلمي «دم الغزال» و«الجزيرة»، وفي سابقة هي الأولى من نوعها أهدى الفنان عمار الشريعي موسيقاه التصويرية للعمل الدرامي رأفت الهجان بجزأيه تقديرا منه لهذا العمل والروح الوطنية الموجودة فيه، قائلاً: «إن الهجان مواطن مصري، ومن يشارك في هذا العمل، يساهم في تقديم صورة مضيئة عن مصر».

وتبذل الدراما الخليجية جهداً كبيراً، من أجل التعبير عن مضامين الأعمال الدرامية التي تقدم وفق تصورات اجتماعية ذات تيمة شبه ثابتة، وذلك بناء على معطيات العمل الخليجي، وضرورة أن يكون قريباً بشكل أو بآخر من مشكلات المجتمع الخليجي.

وفي هذا الإطار، استطاع الفنان الإماراتي حسين الجسمي أن يقدم تصورات مهمة لبعض الأعمال التي قدمها. بينما تبدو أعمال الفنان احمد الجسمي المنتج المنفذ لبعض الأعمال الخليجية، والتي نفذها كمنتج منفذ هي الأكثر تقديماً لصوت الفنان حسين الجسمي.

ومن الملاحظ أن المخرج السوري حاتم علي، اهتم اهتماماً كبيراً بموسيقى الشارة. وبطبيعة الحال لا يمكن أن يمر «الملك فاروق» الذي أخرجه في الموسم قبل الماضي، من دون أن تعلق بذاكرة المشاهد الشارة الدرامية الملحمة، التي لحنها طارق الناصر.

وفي لقاء سابق جمع علي والناصر، أشار المخرج السوري إلى أن جملة طارق الناصر الموسيقية لافتة ومتميزة، وهي تعبر بشكل دقيق وحقيقي عن العمل الدرامي، الذي يقدم تصورات مسبقة عن العمل الدرامي. ومن بين أعمال حاتم «احلام كبيرة»، و«الفصول الأربعة» التي استلهم شارتها الموسيقية طاهر مامللي من الموسيقار الإيطالي جيوسيبي فيردي الشهيرة والمسماة (فور سيزن) أي الفصول الأربعة ايضاً.

ومما لا شك فيه ان المخرج نجدة أنزور، حين أطلق الدراما السورية الى فضاءات عربية واسعة، قدم تصورات لافتة لشارة العمل الدرامي عبر «نهاية رجل شجاع»، و«الجوارح»، و«الموت القادم الى الشرق»، و«البواسل»، وغيرها من الاعمال الأخرى.

ويبدو أن معنى الشارة الدرامية كتفسير للعمل، تراجع في أعمال أنزور على خلفية تراجع مستوى الأعمال الدرامية التي قدمها في الفترة الأخيرة. ولا يستطيع المرء أن يمر على مثل هذا الموضوع، من دون أن يذكر إنجازات المخرج هيثم حقي في شارات بعض أعماله الدرامية، واختياره الأغنية اللافتة للفنان السوري المعتزل فهد يكن لمقدمة مسلسل «هجرة القلوب إلى القلوب»، إضافة إلى ما اختاره لمسلسلات «الدوغري» و«ذكريات الزمن القادم»، أو «سيرة آل الجلالي».

ونجحت المخرجة السورية رشا شربتجي في تقديم اعمال درامية ذات ايقاع موسيقي متميز، ولا سيما الشارة الدرامية، ومنها «غزلان في وادي الذئاب»، المسلسل الذي تميز نصاً واخراجاً. وفي «رياح الخماسين»، قدم المخرج هشام شربتجي شارة لافتة، عكست مسار أحداث مسلسل منع عرضه في سوريا لجهة الموضوعات المهمة، التي تعرض لها في بنية المجتمع السوري. ونلفت هنا الى أن هشام شربتجي رافق تجربة سلسلة «مرايا» ياسر العظمة الغنية بالأغنيات منذ بداياتها.

دبي ـ جمال آدم