بعيداً عن دنيا السينما التي نعرفها.. ونجومها الذين حفظناهم عن ظهر قلب، دعونا نعيش معاً تجربة أن يكون في منطقة الخليج سينما وأفلام مبهرة، تخطف القلب والعقل معاً، فلطالما كان حلم السينمائيين القلة في الخليج النهوض بالإنتاج السينمائي، والوصول إلى تأسيس نواة صناعة حقيقية في هذا المجال.

ولعل الدورة الثانية لمهرجان الخليج السينمائي، الذي يقام تحت رعاية سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس هيئة دبي للثقافة والفنون، استقطبت أعمالاً عديدة ومتنوعة، شكلت دفعاً في هذا الاتجاه، رغم أن الخطوات لا تزال بطيئة، لكنها مبشرة بصناعة سينمائية طموحة في المنطقة.

وغني عن القول، إن السينما الجديدة غير مقيدة بالإنتاج، وتقوم على مبادرات واجتهادات فردية، وإن كان السوق الخليجي يستطيع التقدم بها إلى الأمام، حتى تكون الاستفادة أعمق والتجربة أعم، والأهم هو فكرة إقامة معهد للسينما بمستوى عالمي، للنهوض فكراً وتقنية بالأجيال الجديدة الموهوبة، والتي تحمل على عاتقها صناعة سينمائية خليجية ناضجة، بينما تبقى مسألة الارتقاء بالثقافة السينمائية والوصول بها إلى المعنى الحقيقي الذي نريده، المتحقق عبر الإقبال والتفاعل مع ما يقدم، مرتبطة بالدور الحيوي للمهرجانات، التي يجب أن تضع في خططها توجهات من أجل نشر ثقافة سينمائية جادة ومتطورة.

وإذا كان صحيحاً، عدم وجود سينما خليجية بالمعنى الذي يطمح إليه، والمطروح حاليا، إلا أن التجارب السابقة التي صاغها مخرجون أوائل، مثل «بس يا بحر» للمخرج خالد الصديق ( إنتاج1970) ، و«الشراع الحزين» للمخرج محمد نبهاوي (إنتاج 1976)، و«الصمت» للمخرج هاشم محمد(إنتاج 1981)، و«الحاجز» للمخرج بسام الذوادي (إنتاج 1990)، وهناك فيلم «عرس الزين» للمخرج خالد الصديق (إنتاج 1976)، بالإضافة إلى مجموعة أفلام عبد الله المحيسن القصيرة، وتجارب الشباب الجديدة خلال السنوات الخمس الأخيرة، من المؤكد سيكون لها الأثر الكبير لمستقبل هذه الصناعة في الخليج.

واقع الأمر، أن ما يحدث يمكن تلخيصه في محاولات فردية هنا وهناك، من دون دعم حقيقي من الهيئات الرسمية في الدولة، أو المؤسسات الثقافية والفنية المعنية، ورغم هذا المناخ المحيط، رصدت المهرجانات المقامة في المنطقة، وأفرزت حالة حراك أعاد الانتعاش للكثيرين، ما سرع بعجلة الإنتاج، وجعلها تدور وتلامس بدايات الطريق. ولا نستطيع أن ننكر حالة الدهشة والاحتفال، عندما أفسحت المهرجانات الدولية المجال أمام بعض الأعمال الخليجية، فتألقت وحصلت على جوائز وتقدير عالمي لفت الانتباه لهذه السينما المجهولة.

وكثرت التساؤلات عما إذا كان ذلك، سينما خليجية، أو أفلاماً خليجية، أو ظاهرة خليجية؟

قد تختلف التسميات، ولكن النتيجة واحدة، لقد أصبح للخليج صورة تكرسها أفلام آخذة بالتراكم منذ أكثر من خمس سنوات. الحالة انطلقت من دولة الإمارات لتنتقل عدواها إلى باقي دول الخليج، البحرين والكويت وقطر والسعودية وسلطنة عمان واليمن.. التي أصبحت كلها على الخارطة السينمائية بأفلام متفاوتة الكم والنوع.. تجارب فيلمية روائية وقصيرة ووثائقية روادها شباب.

وجدوا أنفسهم في عصر تحكمه الصورة، ويشترط عليهم فهم لغتها للمرور إلى عالم السينما، بكل ما فيه من تقنيات وإبهار. إن تلك الفورة للأفلام في منطقة الخليج، التي بات يتجاوز عددها المئة فيلم في العام الواحد هي التي حققت نوعاً من انطلاقة جديدة للسينما الخليجية من خلال تراكم لم تعرفه الأخيرة من قبل.

خلاصة القول، إن الواقع السينمائي الخليجي الحالي يمر بمرحلة مهمة جداً، وأهم ما يميزها هو وجود عجلة إنتاج حقيقة ومستمرة. ربما يكون الفضل الأول في ذلك إلى مسابقة «أفلام من الإمارات»، لكن الفضل الأكبر الآن يعود إلى مهرجان الخليج السينمائي، الذي استطاع أن يرسخ هذه النهضة، ويكرسها بآليات برامجه وخططه، وورشه الفنية بإمكانيات ترقى إلى المستوى العالمي.

دبي ـ أسامة عسل