من رحم الصناعات اليدوية التي تجاهد للصمود أمام طوفان العولمة المغرق، مازالت هناك أيادٍ ماهرة تصر على التمسك بفنون وإبداعات تراثية تتضافر فيها منظومة جمالية متنوعة الخامات والألوان، والتي تزدهر صيفًا ولا تختفي شتاءً.. إنها صناعة شماسي البحر التي يتناغم فيها عديد من الفنون والألوان..

«الحواس الخمس» التقى كبير صناع شماسي البحر في مصر لتتعرف إلى أسرار مهنته، وإلى التفاصيل... الحاج أحمد هندي أشهر هاوٍ وعاشق لصناعة شماسي البحر يبلغ من العمر 80 عامًا، ومازال إلى الآن يُبدع في أشكالها، وعن هذا يقول: «لا تُذكر صناعة الشماسي إلا ويذكر معها أغنية العندليب الأسمر الشهيرة «دقوا الشماسي على البلاج.. دقوا الشماسي» التي كانت تأكيدًا لجمال هذه المظلات البديعة التي مثلت رمز الحب والصيف والانطلاق؛ حيث يبدأ الصيف بجماله وينتهي، لكن تظل ألوان الشماسي البديعة تلون ذكريات أصحابها، كما لونت صيف شواطئ مصر المختلفة».

* لكن متى بدأت علاقتك بهذه الهواية؟ ــ بدأت علاقتي بها قبل 65 عامًا أو أكثر، وقد توارثت هذه الهواية أبًا عن جدٍ، حيث تعتبر عائلتنا من أشهر وأقدم العائلات المصنعة لشماسي البحر في مصر والعالم العربي. * هذا يقودنا إلى السؤال عن تاريخ صناعة الشماسي وبداية معرفة المصريين بها. ــ عرفت مصر صناعة الشماسي مع أوائل ثلاثينات القرن الماضي، وكان أول من أدخلها هو حسين محمد أشهر صناع الشماسي على الإطلاق، وتابعه والدي الحاج محمد هندي، وارتبط انتشار صناعة الشماسي في تلك الفترة بزيادة إقبال الطبقات الراقية عليها، حيث كان يصل سعر الشمسية آنذاك إلى نحو ثمانية جنيهات، وهو ثمن لم يستطع دفعه إلا الصفوة وقتها.

تشكيلات مختلفة* هل هناك عصرٌ ذهبيٌ لهذه الصناعة على غرار غيرها من الصناعات الأخرى؟ ــ تعتبر فترة الأربعينات العصر الذهبي لهذه الصنعة في مصر حتى إن أكبر وأرقى محلات العاصمة آنذاك مثل عمر أفندي وشيكوريل كانت تهتم بأن تضم معروضاتها تشكيلات مختلفة من هذه الشماسي.* من أين تأتي بالتصميمات التي تنفذها في هذه الصناعة؟ ــ كلها من ابتكاري، ولا أعتمد فيها على كتالوجات أو مجلات، خاصة أن الكثيرين لا يهتمون بتصميم مثل هذه الأشياء، فضلا عن ذلك فمعظم الزبائن يطلبون تصميمًا معينًا فأقوم بتنفيذه.

ما أهم المعايير التي تحرص على مراعاتها في التصميم؟

معظم تصميماتي أراعي فيها أن تكون ألوانها مبهجة وجذابة لتتناسب مع طبيعة فصل الصيف.

كم عدد الشماسي التي صممتما عبر مشوارك؟

لا أتذكر، فقد أبدعت الكثير منها بيدي، والتي يصل عددها إلى 10 آلاف شمسية.

أي شمسية من هذا التراث الأقرب إلى قلبك؟

هي «شمسية العام الجديد»، فكل عام أصنع شمسية جديدة قد تأخذ مني عدة أشهر، لكنها تكون أبدع مما كان أثناء تواجدها وسط مئات الشماسي على الشاطئ، ورغم أن الشمسية لا تأخذ كل هذا الوقت في التصميم، إلا أن شمسيتي كل عام تلفت انتباه العديد من المُصيفين الذين دائمًا يسألون عن مصمم هذه الشمسية.

هل هناك لقب يطلق عليك باعتبارك أقدم صُناع الشماسي في المنطقة؟

نعم يطلقون عليّ اسم «كبير صُناع شماسي البحر» لأنني أقدم مصمم لها في مصر، وفخور بهذا اللقب.

ما الخامات التي تستخدمها في التصنيع؟

لا أستخدم سوى قماش «تيل» ليتحمل الشمس والحرارة والخشب والخيزران، إضافة إلى بعض القطع المعدنية مثل ماكينة تركيب الشمسية، أو قاعدة لتثبتها في الأرض.

هل تلقي الضوء على أسعار الخامات ومدى اختلافها من نوع لآخر؟

تختلف الخامات حسب المقاس والجودة وتحدد الأخيرة سعر الشمسية الذي يبدأ من 80 جنيهًا قابلة للارتفاع، وفيما يتعلق بسعر الشمسية ليس هناك حد أقصى له، لأن هذا يتوقف على المواصفات والتصميم اللذين يحددهما من يطلب الشمسية.

مواقف طريفة

وماذا عن زبائنك من المشاهير الأكثر حرصا على شراء الشماسي منك منذ سنوات..

هناك عائلات كاملة تتعامل معي منذ أيام والدي، ولاتزال مستمرة إلى الآن، وهناك الكثير من الفنانين الذين يشترون مستلزمات البحر من ورشتنا، هناك مثلاً الفنانان سوسن بدر وهاني رمزي، كذلك تعد الدكتورة هدى عبد الناصر من أحد الزبائن الدائمين لي وغيرهم.

من واقع معاصرتك لتلك الصناعة على مدار عقود مضت.. كيف ترى الاختلاف في صناعة الشماسي قديمًا عن الآن؟

نعم هناك اختلافٌ في طبيعة حرفة صناعة الشماسي قديمًا عنه الآن، فأدوات الإنتاج وطرق وخطوات التصنيع لم تختلف كثيرًا عن الماضي، لكن الذي اختلف أن حرفيي هذه المهنة الآن أصبحوا يهتمون بالكم على حساب الكيف؛ فقديمًا كانت الورشة لا تنتج أكثر من 4 شماسي في الأسبوع، بينما يقوم صُناع اليوم بإنتاج أكثر من 300 قطعة في نفس الفترة.

.. وأسرار المظلات مع الخامات والبشر

عاشق صناعة شماسي البحر يتذكر قصة لن ينساها مع الفنان سمير صبري، حدثت منذ فترة طويلة عندما اشترى منه كرسيًا خاصًا للمخرج الكبير حسن الإمام ليستخدمه في تصوير أفلامه، وبالفعل قام بتصنيع الكرسي، وكتب عليه اسم حسن الإمام، وظهر في أحد الأفلام.. وبعيدًا عن مواقف المشاهير كانت له مواقف طريفة مع أناسٍ عاديين، فذات مرة صنّع إحدى الشماسي الخاصة به بشكل جديد وفريد ليذهب بها إلى المصيف كعادته كل عام، لكن أثناء ذهابه إلى المصيف استوقفته سيدة، وأصرت على شراء هذه الشمسية دون غيرها، وبالرغم من محاولته إقناعها بأن هذه الشمسية موديل قديم يطلق عليه «النجمة»، لكنها قالت له لن آخذ غيرها، وبأي ثمن، وأمام إصرارها رضخ لطلبها في النهاية لإعجابها الشديد بها. وإلى تفاصيل أخرى..

وكيف أثرت التكنولوجيا على هذا الإبداع التراثي الفريد؟

في الماضي كانت صناعة الشماسي بمثابة تحفة فنية يقوم الصُناع بتصميمها وصناعتها من الألف إلى الياء، لكن اليوم أصبح كل فرد متخصصا في إنتاج جزء ضئيل لهذه الصناعة، أما عن تأثير التكنولوجيا فيمكنني القول إن مهارة الصنعة وأسرارها على شفا الانقراض، كذلك الزبائن أنفسهم ممن يقبلون على شراء الشماسي اختلفوا كثيرًا، على الرغم من أن عدد المصطافين قديمًا كان قليلاً، لكن معظمهم كان من الباشاوات وكبار الموظفين والطبقات العليا، وكانوا يحرصون على شراء الشماسي كل عام، ويعرفون الفرق بين الخامات، أما الآن فالوضع اختلف.

لكن ما المراحل التي تمر بها عملية تصنيع الشماسي؟

تعارف صناع الشماسي على أن تمر الشمسية بعدة مراحل، أولاها مرحلة تقطيع الخيزران والأخشاب على أعواد وفقًا لأطوال معينة، وتكمن مهارة الصانع في هذه المرحلة في مدى قدرته على مراعاة أبعاد الشمسية، ومدى تناسقها معاً، وهناك مقاسات ثابتة لأقطار الشماسي فنصف القطر قد يكون 90 سم، أو مترًا، أو مترًا و10، أو مترًا و20 سم، فعلى سبيل المثال الشمسية التي يبلغ نصف قطرها 9 سم يجب أن يكون طول الجزء الأعلى من العمود الخشبي أي «ساق الشمسية» نحو 125سم تقريبًا، أما الجزء السفلي فطوله ثابت يبلغ نحو 90 سم، وإن كان طول الجزء العلوي يختلف باختلاف طول القطر، ومهارة الصانع.

وبعد تقطيع الخيزران والخشب يتم تركيب الصاج على الأعمدة بحيث توضع قطع الصاج على قمم أعمدة الخيزران التي تسمى بلغة الحرفة «البلحة»، ثم يتم تركيب الأسلاك في وسط الأعمدة، وعادة ما تغطى هذه الرؤوس بقطعة من القماش لحماية الكسوة من الصدأ، ولصيانة الشمسية وضمان عمر مديد لها، وبعد تجهيز الأعواد يقوم الصانع بجمعها في باقة واحدة لصناعة جسم الشمسية، وهو ما يسمى «فوستي». بقي أن قماش الشماسي مصري 100%.

ورثة الحرفة

ــ أولادي هم من ورثتهم الحرفة، كما حرص والدي على غرس حب هذه المهنة في قلبي؛ فنجحت في أن أغرس نفس الشيء فلدي أربعة أبناء الكبيرة طبيبة أطفال، والثاني مهندس معماري، والثالث مهندس مدني، والرابعة خريجة تجارة خارجية، وعلى الرغم من انشغال الشابين إلا أنهما في أوقات موسم العمل يلتفان حولي، ويخلعان زي الهندسة ليرتديا زي «صُناع الشماسي»، وهما يجيدان كل أشكال الصنعة، ويعلمان الكثير عن أسرارها ويمارسانها بحب كبير.

ــ مهنتنا لوقت قريب تجذب الكثير من الشباب للعمل فيها، لكنها أصبحت الآن طاردة للمهارات، ففي الماضي كانت هناك حركة إقبال، وكان الأولاد يقبلون على تعلم هذه الهواية بحب وإتقان، أما الآن فالوضع تغير، والكل بدأ حياته في طريق مختلف؛ فالهواية تحتاج لمن يحبها، وليس لمن يمتهنها فقط.

الاسم: الحاج أحمد هندي

العمر: 80 عاما

الهواية: صناعة الشماسي

علاقته بها: 65 عاماً