منحها الفن قدرة فائقة على التسامح والسمو بروحها، والارتفاع عن صغائر الأمور وفتاتها الذي قد يتحول في لحظة ما إلى معيق لمسيرتها الإبداعية، وبذلك فقط تمكنت من إحداث توازن جميل في شخصيتها، بتراكم إصرار لم يأتي بين ليلة وضحاها، إيماناً منها بأن الحياة نزهة قصيرة جداً، ولا بد أن تستثمر كل دقيقة فيها من أجل ترك أثر جميل، وإضافة شيء ما، وحتى لا تكون عبئاً على الأدب والفن اللذين عاشت في ظلالهما منذ البداية.

تلك الزهرة تبرعمت في فلسطين، فتميزت في الرسم والكتابة الإبداعية، حتى لفتت انتباه المعلمات على غفلة من روتين الدراسة.. كيف لا وهي التي لا تذكر من طفولتها أنها ذات مرة لهت بدمية أو تعلقت بلعبة ما، فكل ما كان لديها مكتبة كبيرة تركها عن غير قصد أخاها الأكبر حينما قرر السفر لإكمال دراسته. وباختصار شديد للغاية، هكذا كانت تجربة الاكتشاف الذاتية لمواهب الفنانة التشكيلية والكاتبة وفاء خازندار، تلك الفتاة الصغيرة التي ارتضت لنفسها إرثاً مختلفاً وهي في السابعة من عمرها، حيث لم تكن حينها بنات جيلها يفكرن بغير الدمية والألعاب الطفولية البريئة، فيما وفاء المتحمسة للتنقيب عن ذاتها أصرت منذ مرحلة ما قبل النضوج كانت تقرأ بنهم شديد، وفي غالب الأحيان لا تفهم المعاني وتكتفي بأن تدرك مبكراً أن هناك عالماً جميلاً في الشعر.

في عمر الزهرات، قرأت الفنانة خازندار لعمر أبو ريشة ولبدر شاكر السياب وللبياتي ولنازك الملائكة، وكانت تجذبها مجلدات موسوعة المعرفة بألوانها البهية، فقرأت كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة من على رفوف مكتبة أخيها الكبير، وهي إلى الآن لا تزال تشعر أن بداخلها شهرزاد تريد أن تبوح وتحتاج لمن ينصت، هكذا تقول.في العام 1984 انتقلت وفاء خازندار مع زوجها للعيش في دولة الإمارات، وهنا التحقت بدورات فنية متعددة، لكنها لم تكن تكمل فيها، حيث لم تجد ما تبحث عنه لكون أن الجميع يفرض على الطلبة رؤيته وألوانه وأسلوبه، وهنا كان لا مفر من العمل من أجل الموهبة التي تعتصرها إبداعاً وصقلتها بالشكل الذي يشبع لديها فضول الفن والعطاء والإبداع.

منذ العام 1990 بدأت في الرسم والكتابة بشكل منظم إلى حد ما، وفي العام 2000 خرجت أعمالها المكتوبة والمرسومة للمرة الأولى إلى النور، وذلك بعد أن تيقنت من موهبتها بشقاوة طفولية إبداعية مبكرة، جاءت على شكل رسائل وتقارير معنونة بأسماء أفراد عائلتها، والآن تهتم الفنانة التشكيلية وفاء خازندار بأن لا تكون عبئاً على الفن، وتتمنى على الدوام بأن تضيف شيئاً بسيطاً من خلال رؤيتها المتواضعة والمغايرة لكينونة الموجودات.

وأهم من ذلك فهي تسعى لأن يضيف الفن لروحها الكثير من النأي والسمو عن كل ما هو ترابي في اللغة وفي مواقف الحياة، فهي تستقي أفكارها من القراءة، فيما قراءاتها المبكرة منحتها مخزوناً لا ينضب، وكما تقول فهي الآن لا تدخر جهداً في أن تقرأ لمختلف الفلاسفة والمفكرين، حتى تتصالح مع الموجودات وتختصر المسافات فيما تصنع من لوحات جمالية تروق للمتلقي، سواء في الرسم التشكيلي أو في الكتابة الإبداعية، ولها منهما عشرات المواضيع والمسميات حتى الآن.

في الرسم والكتابة تنشغل وفاء خازندار في قضايا إنسانية، تريد أن توصلها للمتلقي بطريقة تهدف إلى إيقاظ الطفولة الغافية داخل كل منا، لذا فهي تعتمد «الفنتازيا» بلمسة طفولية، بشخوص حقيقية ومتخيلة، ولا تخلو لوحاتها من الجرأة والواقعية لذا فهي تقدم أفكاراً مكثفة تحتاج للتأمل والصبر لقراءتها، وتتعمد المبالغة في رسم الأطراف لأن شخوصها تسبح في فضاء لوحة بحرية، كما توضح.

خازندار كما تقول لا تستطيع الرسم إلا وهي متصالحة مع نفسها، ومع من حولها، فاللوحة بالنسبة لها حالة فرح وسعادة، بينما الورق يستوعبها في كافة أحوالها، فالإنسان يمتلك ذاكرتان واحدة انطباعية، وأخرى مخفية، وتلك لا يعلم متى تظهر وعلى أي شكل.. ربما لحن جميل، أو كلمات شعرية، أو لوحه تشكيلية، أو قصه أو رواية، أما هي فتشبه الطائر، الذي لا يسمو ولا يحلق إلا بجناحين هما الكتابة والرسم.

وبالنسبة لوفاء خازندار فإنه لا يمكن التحضير لاستقبال لحظة الإبداع، فهي لحظة تقتحم ذات الفنان من دون سابق إنذار، وفي أوقات وأمكنة غير متوقعة على الإطلاق، والإبداع كما لحظة الولادة؛ حين تأتي آلام المخاض تنتقل الأم إلى عالم آخر من الخدر واللا وعي حتى يخرج الوليد صحيحاً معافى، لذا فالإنتاج الإبداعي هو كائن حي يتنفس، يتفاعل معنا ونتفاعل معه، وهو نافذة للحوار مع الآخرين، فكما نبحث دائماً عن صديق يشبهنا، نبحث عن إبداع يحاكينا ويعبر عن المسكوت عنه بداخلنا.

بحر الإبداع لا توقفه حواجز الأحداث ولا تعيقه موانع المتغيرات، يظل يهدر طالما في الروح الإنسانية بقاء، فيملأ الكون نضارة وجمالاً، وكذلك الحال بالنسبة لوفاء التي مضت من عمرها 46 سنة، وهي لا تزال تتشبث بروح شبابية وجمالية تنأى بها عن صغائر الأمور التي يصنعها البشر.

وفاء أبدعت إلى الآن ما يزيد على 200 لوحة فنية مختلفة الواقع والرؤية والتشكيل، ولها من المؤلفات الأدبية ثلاثة أعمال تلمع إبداعاً، أما رسالتها الفنية فهي تهتم بالبيئة النفسية للإنسان، فلا تهمها السياسة مثلاً بقدر ما تهتم بآثارها على الإنسان، وحدها الفني لا يعرف محيط من العالم، فطموحها أن تبلغ العالم بلوحاتها الناطقة، وأن تلملم ذاتها في رسم مشاعر يشترك بها الجميع، دون النظر إلى لون أو عرق أو جنسية، حتى تظل طائراً مغرداً.

7 معارض و3 مؤلفات والفن حاضر إلى ما لا نهاية

وفاء خازندار فنانة تشكيلية إماراتية الجنسية، من مواليد العام 1963، عملت في وزارة التربية والتعليم سنوات عدة، وتحمل شهادة البكالوريوس في إدارة أعمال، والآن هي طالبة في السنة الثانية بقسم الفنون الجميلة والتصميم في الجامعة الأميركية في الإمارات، وتحمل عضوية جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وعضوية مركز دبي العالمي للفنون.

بدأت أولى معارضها الفنية في العام 2000، ولها إلى الآن سبعة معارض خاصة، وما يزيد على 20 مشاركة فنية جماعية داخل الدولة وخارجها، وأمسيات شعرية، ومشاركات تحكيمية فنية، وجوائز تقديرية متنوعة، إضافة إلى إصدارها ثلاثة مؤلفات شعرية وأدبية، هي: «سلاح أبيض» و«خازنة الفرح» وهما ديوانان شعريان مترجمان إلى الإنجليزية، و«بورتريه جدتي» مجموعة قصصية.

خازندار أم لأربعة أبناء: هاني وهبة وريما ومحمد، نصفهم تخرج من الجامعة، أما زوجها كما تقول، فهو متفهم لواقعها، وقد منحها قدراً من الحرية، تتحرك من خلاله بمسؤولية الموازنة بين الأسرة والموهبة، لتنجح وينجح من حولها.

ودائماً تضع الفنانة التشكيلية وفاء خازندار نصب عينها أن الموهبة هي قدرة فردية يهبها الله سبحانه وتعالى للبعض، لذلك فهي تحرص على المواصلة والاستمرار دون الالتفات إلى الوراء، لأنها على يقين أن الكتابة والرسم يأتيان لتتنفس وتتوازن من خلالهما مع العالم الخارجي، وبهما تعبر عن شعور الكثيرين ممن لا يملكون تلك الموهبة.

دبي ـ عنان كتانة