في إحدى حارات دمشق القديمة، حيث أريج الياسمين وعطر التاريخ يلف الأبواب والجدران ونوافير المياه التي تتراقص حولها أضواء الأزقة الضيقة، ولدت التشكيلية السورية إيمان محمد النويلاتي فكانت الحفيدة الأولى لبيت شامي عريق فيه عبق الفن، وكان والدها الفنان محمد سالم أحد أساتذة الفن في سوريا لعقود، ويبدو أن البيئة الفنية حركت لدى الطفلة إيمان تلك الروح العاشقة لكل ما هو جميل، أما فلسفتها فتؤكد عليها بقولها الرسم صومعتي التي أعتكف بها عن أحزان العالم.
تنقلت إيمان بذاكرتها الصورية عبر حارات: بيت العظم، مكتب عنبر، السوق القديم، لتبقى صور تلك الأمكنة عالقة في ذهنها ولا تفارقها مهما ابتعدت عنها في أيام وسنوات الاغتراب، وبين التكوينات التاريخية في الحارات الشامية وبين مواسم قطاف القطن في مزرعة جدها خارج العاصمة السورية، تكون الحس الفني لديها. حيث الطبيعة فاتحة ذراعيها لعشاق الجمال، والريفيات بوجوههن المليئة بالحمرة خجلاً وحياةً وتعباً والينابيع والمناظر الخضراء التي تبهر القلب قبل العين، ورغم تفوقها في مجال الرسم وحصول مجموعتها (أيام الدراسة) على جوائز في المعرض الدولي المشترك بإيطاليا، فإن رغبتها في الالتحاق بدراسة الفن واجهت رفضاً من والدها الفنان، لأنه رأى المعاناة الحقيقية بأن تصبح فناناً في أماكن لا تعير الفن بالاً، ولكنه نصحها بممارسة الرسم كهواية والاتجاه لدراسة تخصص يفيدها عملياً في الحياة، فاختارت علم الأحياء لأنه مرتبط أيضاً بالرسم.
بدأت إيمان النويلاتي برسم المناظر الطبيعية والأمكنة والوجوه عبر المزج بين مدرستين لا تفصلهما مشهدياً خطوط بينة، فكانت التصويرية الواقعية والانطباعية هما رفيقا دربها طيلة السنوات الماضية، أما التقنية فإنها لم تتخلَ عن الألوان المائية رغم أن هذا الأسلوب صعب مقارنة بغيره إلا قبل فترة قريبة حين شاهد أحد الفنانين التشكيليين أعمالها وأشار عليها بتجربة الرسم بالألوان الزيتية، فبرعت فيها، وأقامت أول معرض مشترك منتصف التسعينات في المجمع الثقافي.
تقول إيمان عن التكوينات التي ترسمها: إن الهاجس الأول لدي من ناحية المكان، هو مدى تأثير ذلك المكان بي ومدى ما يحفر في مخيلتي من رؤيً، وأحاول أن أشرك المتلقي برؤيتي لذلك المكان، فالأبواب والحارات والنوافير الدمشقية لا تفارقني.
وفي الإمارات فإن البحر هو ملهمي الأول وأرى في هذا الأزرق الغامض آلاف الأشياء التي أعجز عن الحديث عنها لغة فأدونها عبر الريشة والرسم، وأقولها عن تجربة، الرسم هو علاج ومهدئ نفسي وروحي وصومعة وملاذ حقيقي لكل روح إنسانية أتعبتها الحياة، وحين أرسم فأنني أهب جزء من روحي للعالم.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري

