حين رحل الفنان المصري محمود المليجي، فقدت الدراما المصرية معه العفوية في تقديم أدوار الشر، لدرجة أنها منذ تلك الساعة وحتى الآن عجزت عن تقديم إسم واحد يضطلع بأدوار الشر كما كان يؤديها المليجي، اليوم وبغياب الفنان السوري ناجي جبر، يبدو أن سيناريو الفقد والعجز عن التعويض سيتكرر، فبعد نحو أربعين عاماً من تجربتها، لم تستطع الدراما أن تقدم نموذجا ل« القبضاي» إلى جانب الفنان ناجي جبر،.
وكان من الصعب عليها إيجاد منافس أو حتى بديل مواز لشخصية «أبو عنتر»التي اشتهر بها الفنان ناجي جبر بصورته المعروفة: شروال وصدرية وكوفية وطاقية وكلمة (باطل) المطبوعة على الذراع، فضلاً عن ما التصق بتلك الهيئة من لغة شعبيّة خاصة ومفردات كقوله (عرضية) (أي أمر عارض)، (مالا فكاهة) (أي لا حاجة لها)، (مالا مازية) (أي لا معنى لها).ولادة شخصية (أبو عنتر) كانت في العام 1971، وبالتحديد من خلال مسلسل (صح النوم) ويروي المخرج الرائد خلدون المالح أنه التقي بالفنان المغمور الشاب ناجي في إحدى مسرحيات محمود جبر، وكان بصدد إنتاج مسلسل (صح النوم) عام 1971، وعندها فكر باستقطاب هذا الممثل ليقدم دور ياسينو، إلا أن الدور على ما يبدو لم يكن ملبياً لطموح ناجي جبر، فاعتذر عن الدور لصالح الفنان (ياسين بقوش) ، مفضلاً عنه دوراً صغيراً لسجين في مشهد السجن الذي يدخل إليه (غوار).
ذلك الدور الثانوي وشبه الصامت آنذاك كان فرصة حقيقية ليكتشف الثلاثي دريد ونهاد والمخرج خلدون المالح إمكانيات إضافية بأداء الممثل الشاب، ومنذ ذلك الوقت بدأ المرحوم نهاد قلعي يكتب له شخصية (أبو عنتر) وقد عرف عن الراحل نهاد قلعي أنه كان يكتب شخصياته الدرامية لممثلين معينين، وكانت الكتابة تتم خطوة خطوة، ووفقاً لما تتطلبه ظروف العمل، ولم يكن الفنان قلعي يحبذ أن يكتب شخصية لفنان معين ويؤديها ممثل آخر، الأمر الذي يؤكد أن من كان وراء القصدية في البناء الدرامي لشخصية أبو عنتر على النحو الشهير، هو الفنان ناجي جبر نفسه، الذي أضاف على الشخصية من روحه..
ورغم أن ولادتها كانت مصادفة، فإن استمرارها بلا شك كان بقوة موهبة الراحل ناجي جبر وحده...ذات القوة التي دفعت الراحل نهاد قلعي ليفرد مساحة أكبر ورئيسية لشخصية أبو عنتر في أعماله اللاحقة مع دريد، إلى درجة جعل منه ودريد ثنائية جديدة، تضاف إلى ثنائيته ودريد.
وكما كانت ثنائية دريد ونهاد الأخيرة تجمع بين غوار الطوشة ونقيضه حسني البورظان ، فإن ثنائية دريد وناجي تجمع بين غوار الطوشة وأبوعنتر أصحاب المشاكل، وهي ثنائية عادت لتظهر بوضوح في الأعمال اللاحقة مثل (وين الغلط) و(ملح وسكر) و(وادي المسك) و(ابو المفهومية) انتهاء ب(عودة غوار).
وشخصية (أبو عنتر) بدت مشهورة أكثر من إسم صاحبها الحقيقي، فقلما كنا نسمع من يسمي الفنان ناجي باسمه، وظل اسم (أبو عنتر) هو الإسم الوحيد للفنان جبر بين الناس، ساهم في ذلك توثيق علاقة هذه الشخصية مع الناس من خلال استمرار حضورها في أكثر من عمل درامي وفق خط سير واحد لسلوك الشخصية، أضف إلى ذلك أن (كركتر) آداء (أبو عنتر) لم يأت من فراغ.
فهوة مستقى من البيئة الشعبية حوله، ذات البيئة التي قدمها مسلسل (صح النوم) الذي اشتهر من خلاله، وكان لاستثمار تلك الشخصية سينمائيا عبر مجموعة من أفلام القطاع الخاص سبباً إضافياً في منحها عمراً أكبر في الذاكرة، منها فيلم (صح النوم)، و(شقة ومليون مفتاح)، (غوار جيمس بوند)، و(قاهر الفضاء) و( الاستعراض الكبير).
حافظ الفنان ناجي جبر على هيئة شخصية أبو عنتر، ولكنه أحدث تغييراً جوهرياً في تسعينات القرن الماضي على مضمون الشخصية، وهكذا انتقل (أبو عنتر) صاحب المشاكل، لدرجة البلطجة أحياناً، ليمنح شخصية أبو عنتر بعداً اجتماعياً مهماً ليصير المدافع عن حقوق الآخرين، وصاحب الرؤية الاجتماعية الناقدة الذي يدفع بقوته لحماية الآخرين، وانتقاد الخطأ ..
وكأن خريج السجون السابق أراد أن يحاكم هذه المرة أسباب سجنه لا سجانيه..فانتقل إلى الجانب الأكثر قرباً من المواطن ذوي الدخل المحدود..وهذا ما ظهر بوضوح في الكوميديا الاجتماعية الناقدة (يوميات أبو عنتر) التي شكلت العودة الرسمية لشخصية (أبو عنتر) بمضمونه الفكري الجديد.
الصورة التي ظهر فيها ناجي جبر تلفزيونياً من خلال (يوميات أبو عنتر) كانت الصورة التي ظهر فيها دائماً على خشبة المسرح، فخريج مسرح محمود جبر الاجتماعي الناقد كان من الصعب أن يحلق بعيداً عن توجهات هذا المسرح، ولاسيما أنه آمن ( أن المسرح رغم ما يعصف به من أهوال هو بخير، وهو فن راسخ ويبقى تلك المدرسة الكبيرة وذلك المنبر الشريف)، وفهم ناجي جبر للمسرح جعله يخلص له حتى أيام حياته الأخيرة..ومع فرقته الخاصة أسس الراحل ناجي جبر لتجربة مسرحية اجتماعية ناقدة لم تقل عن تجربة أخيه الرائد محمود جبر، بل وأضاف عليها ناجي بعداً سياسياً أكثر جرأة.
شخصية أبو عنتر التي أخلص لها ناجي جبر شكلت واحدة من مشاكل نجوميته في الوقت نفسه فكان الفنان الراحل كلما تخلى عنها، بدت أدوار البطولة المطلقة الأقرب إليه، بل وشكل والفنان أديب قدورة حجري رهان الأدوار الرجالية في سينما القطاع الخاص السورية، فقدم دور البطولة في أفلام منها (أموت مرتين وأحبك) لجورج لطفي خوري ، وفيلم (باسمة بين الدموع).. وحتى في المرات الذي نظر إليه فيها المخرجون من بوابة الرجل القوي.
في الغالب كان الفنان ناجي جبر مرشحاً دائماً لأدوار البطولة، إلا أن شخصية أبو عنتر لم تكن تمتلك القدرة على حمل أدوار بطولة وحدها، ربما لأنها بعد الراحل نهاد قلعي لم تجد من يجيد توظيفها في بناء درامي قديم..وهو ما بدا واضحاً في أفلام قام فيها الراحل ناجي جبر بدور البطولة المطلقة بشخصية (أبو عنتر) كأفلام (قاهر الفضاء) و(الاستعراض الكبير) ولكنها بقيت دون التأثير وأضعف من أن تظهر موهبة ناجي جبر الحقيقية.
سنوات الانقطاع عن الدراما التلفزيونيّة التي مرت بعد مرحلة (يوميات أبو عنتر) كانت فترة مراجعة للذات، وربما هي مرحلة إعادة اكتشاف قدرات الفنان الراحل التمثيلية، فبدأ الرجل يخرج من سطوة أبو عنتر، وبمعنى أدق بدأ المخرجون يرونه بعيداً عن هذه الصورة التقليدية، لكنهم ظلوا ينظرون إليه من منظور تقليدي كشخصية الرجل القوي - القبضاي..
والتي وجدت مكانها الأثير في مسلسلات البيئة الشامية، بدءاً من (أيام شاميّة) حيث أدى دور شخصية (سيفو) الطريفة، وتبعها بتقديم شخصية (نمر) في مسلسل (الخوالي)...وقدم العام الماضي أربعة أعمال في ذات السياق هي : (أهل الراية) و(الحصرم الشامي) و(أولاد القيمرية) و(بيت جدي) الذي قدم فيه دور البطولة المطلقة،.
وكان هذا الدور في الغالب بداية الاعتراف بمقدرات الرجل الفنية..ومساحة أظهرت مقدرات إضافية في أداء الفنان جبر، ولعل المفارقة أن المبدع ناجي جبر، في الدور الذي أعاد تقديمه بموهبته كاملة لجمهور التلفزيون هو الدور الذي أنهي حياته به، وكأنه أراد أن يؤكد أنه كان يستحق أكثر من الأضواء قبل أن يغيب.
وبعيداً عن شخصية القبضاي وشخصية أبو عنتر قدمت المخرجة رشا شربتجي الفنان ناجي جبر بشخصية ضابط أمن في مسلسلها (غزلان في غابة الذئاب)، وعاد المخرج سمير حسين ليقدمه في مسلسله (أسير الانتقام) بشخصية رجل الأعمال المستهتر.
وفي هذه المسلسلات جميعها أتاح البناء الدرامي للشخصيات التي أداها الفنان ناجي جبر المجال له ليظهر قدراته التمثيلية، خلافاً لمحدودية شخصية أبو عنتر ومفرداتها البسيطة التي ما كانت لتظهر تلك القدرات.
مراسم الوداع
وسط حشد كبير من المحبين غاب عنه كثيرون من نجوم الدراما السورية جرى الوداع الأخير للفقيد ، في تشييع غلب عليه العفوية، والدموع الصادقة في عيون عدد من أصدقاء العمر..وأصدقاء عرفوا ناجي حبر في الشاشة الصغيرة، وفقدوا برحيله عزيز غال..كما قالت سيدة أغرورقت عيونها بالدموع، وهي تترحم على (أبو عنتر).
شقيق الفقيد الفنان هيثم جبر قال : فقدنا صدراً دافئاً دافقاً بالعطاء والحنان، وزهرة فواحة تجود بعبيرها دون أن تنتظر رداً ، لقد كان أحد أركان الحركة الفنية في سوريا، سطع نجماً متلألئاً في سماء الفن فكان رحيله خسارة للفن وأهله، بينما قال الفنان صالح الحايك دامعاً: شهادتي فيه مجروحة لأنه توأم روحي وصديق عمري، ناضلنا وجعنا معاً ونجحنا معاً، إنه ليس خسارة فقط للفن السوري وللشعب السوري وإنما خسارة للأمة العربية كلها، فالفنان المبدع النادر لا نستطيع تعويضه بسهولة.
دمشق - ماهر منصور


