هل يمكن للصورة المزيفة، أن تكون بمثل عمق ما يقدمه الشيء الحقيقي.. وهل يستطيع التزييف الحلول بديلاً من الأصل؟.. إذا كانت الإجابة المتوقعة بالنفي، فإن النتيجة هي الخسارة لكل من الطرفين.. الأصل والصورة.
هذا ما فعلته الصورة المزيفة في فيلم «تحدي»، حيث حاولت إثارة التعاطف مع اليهود خلال تخفيهم من ملاحقات الجيش النازي، ثم تصديهم لاحقاً لجنوده.. إذ كانت حقيقة الجيش الإسرائيلي، وبشاعة ما أقدم عليه من مجازر في هجومه أخيراً على غزة، وممارساته للعنف بشكل متواصل بحق الفلسطينيين، ماثلة في عقل ومشاعر الجمهور العربي، فتحولت مشاهد الدموع والقهر لضحايا اليهود، إلى لقطات كوميدية جالبة للضحك والسخرية، في صالات السينما المحلية حيث يعرض الفيلم حالياً. وقد بلغت تكلفة إنتاج فيلم (تحدي) 50 مليون دولار، وهو من بطولة دانييل كريغ وليف شخربيبر وجيمي بيل وجورج ماكاي، وكتب له السيناريو وأخرجه إدوارد زويك، الذي قام من قبل بإخراج فيلمي لاست ساموراي وبلود دايموند. وبدأ العمل به منذ عام 1999، فور شرائه حقوق تحويل الرواية إلى عمل سينمائي، وتم تصوير الفيلم في ليتوانيا ابتداء من سبتمبر 2007 واستمر لمدة 3 أشهر، ثم أطلق بشكل محدود في رأس السنة 2008/2009، ورسمياً في 16/1/2009.
الفيلم مأخوذ عن رواية بالاسم ذاته تحدي: بيالسكي بارتيانز للكاتبة والمؤرخة والأستاذة الجامعية الأميركية من أصل بولندي نيتشاما تيك (مواليد 1931)، التي عاشت في ألمانيا، واستوحت كتابتها من أحداث حقيقية، وقعت بالفعل قبل ما يزيد على 70 عاماً، حيث نجح 4 أشقاء يهود من بولندا في التصدي للجيش النازي، وتهريب عدد من مواطنيهم، من خلال الالتحاق بالجيش الروسي، ونجحوا في تهريب وإنقاذ 1200 يهودي.
تجري أحداث الفيلم في روسيا البيضاء، ويبدأ بالأبيض والأسود في صور وثائقية عن هتلر والنازية، وسرعان ما تتلون تلك الصور، ونتابع مشاهد قتل الجنود الألمان لأهالي قرية، ونتعرف بعد ذلك إلى الإخوة بيالسكي الذين ينجون من القتل، ويهربون إلى الغابات بحثاً عن الأمان، حيث يلتحق بهم الأخ الأكبر (توفياـ دانيال كريغ)، الذي يعلم أن جميع أفراد عائلته تم قتلهم على يد الجنود الألمان.
ومع كل يوم يمضي في الغابة، يعثر الإخوة بيالسكي، على ناجين من المجازر النازية، ويتحول اسم توفيا بيالسكي إلى ملاذ لكل الناجين، فيقوم ببناء مخيم لهؤلاء اللاجئين، الذين يتعاملون معه وكأنه النبي موسى الذين أنقد بني إسرائيل من فرعون وزبانيته.
وإلى جانب استعراض مآسي اليهود، يكون الصراع الرئيسي في الفيلم بين توفيا وأخيه الأصغر (زوس ـ ليف شخربيبر)، حيث يؤمن هذا الأخير بالمقاومة وضرورة الثأر، الأمر الذي يوافقه فيه توفيا في البداية، خصوصاً لدى قيامه بشكل منفرد بقتل شرطي وأولاده، بحجة أنه كان يدل الألمان على اليهود، في لحظة يتصاعد فيها حقده وثأره.
ومن ثم يشارك زوس في مهاجمة دورية ألمانية، يعزف بعدها توفيا عن استخدام العنف، ويفترق عنه زوس الذي يقرر الانضمام إلى الجيش الروسي، والمشاركة مع مجموعة من أتباعه في أعمالهم الحربية ضد الألمان. هذه هي ركائز الفيلم وخطوطه المحورية، فمن جهة نشاهد ما يتبعه توفيا من قواعد ومفاهيم في إدارة مخيم اللاجئين، وحجم المصاعب التي يتعامل معها بحكمة مستندة إلى مبدأ قائد يدرك بأن البقاء على قيد الحياة هو أهم فعل المقاومة، بينما يواصل زوس انتقامه تحت قيادة الجيش السوفييتي.
وفي النهاية، يحسم السلاح الخيارات، حيث يتعرض مخيم توفيا إلى هجمات الجيش الألماني، ويقصف بالطائرات، وتحاصره القوات البرية، ولا يكون أمامه إلا الدفاع والتحدي في حمايته، ويكتشف زوس خداع الروس وعنصريتهم تجاهه ومن معه، و يلتقي مجدداً (توفيا وزوس) عند خيار المقاومة والتحدي، وينجحان سوية في تحقيق نجاة أغلب من في المخيم، ونقلهم إلى مكان آخر آمن.
تفاصيل كثيرة عمقتها صورة الفيلم منها، ملامح الجوع، وعلاقات الحب والكراهية، والنقاشات الحادة، وصراع البشر من أجل البقاء، وفشل الانقلاب على توفيا، لكن يبقى أهم دافع لمشاهدة هذا العمل، هو توقيته، وقدرته على تقديم المفارقة التاريخية التي تتسيد المنطق الإسرائيلي الآن، في ممارساته العدوانية ضد الفلسطينيين الشبيهة بأعمال النازيين.
دبي - أسامة عسل

