تواصل ذاكرة السينما الخليجية انفتاحها على مزيد من الإبداعات والإضافات، وبخاصة تلك الأفلام التي صنعها مخرجوها للتعبير عن رؤيتهم للواقع، من خلال تجاربهم التي يحاولون بها اكتشاف أنفسهم، وما يدور حولهم من تحولات.

ذاك هو هاجس السينمائيين في دول مجلس التعاون الخليجي، أو بمعنى أصح حلمهم المشروع والطموح، الذي جاءوا به إلى مهرجان الخليج السينمائي في دورته الثانية التي تبدأ الخميس المقبل، وتستمر حتى الخامس عشر من الشهر الجاري، فهم مثل غيرهم من سينمائيي العالم يحلمون بقيام صناعة سينمائية في بلدانهم، تحقق لهم رغباتهم بصنع أفلام يبهرون بها الدنيا بمواهبهم الفنية الإبداعية. وهم دوماً لا يكتفون بمطالبة حكوماتهم بتمويل أو دعم مشاريع تلك الأفلام، بل يزيدون على ذلك، فيطالبون بتخصيص الموازنات الكفيلة بإنشاء الاستوديوهات ومعامل الطبع والتحميض، وحتى تأسيس معاهد لدراسة السينما من أجل إعداد الكوادر اللازمة، على قناعة بقيمة السينما الحضارية، وكونها الذاكرة البصرية للشعوب.

وكان الحديث حتى عهد قريب عن صناعة سينما خليجية، يدور في حلقة مفرغة.. ومع مهرجان الخليج السينمائي، وتأسيس بنية تحتية في مدينة دبي للاستوديوهات، جاء التحول التدريجي، لتزداد نبرة الصوت قوة، ويزداد معها اتساع استخدامهم للتقنيات الرقمية، من خلال إحلال الكاميرا «الديجيتال» محل الكاميرا السينمائية التقليدية، ليصنعوا من خلالها تجارب جديدة وجريئة في شكلها وأفكارها. يمكن متابعة ذلك بوضوح من خلال أفلام السعوديين والكويتيين في هذه الدورة. كما برزت براعة الأفلام الإماراتية في جودة المنتج النهائي، خصوصاً في تصوير المشاهد الخارجية أو الداخلية، النهارية أو الليلية، في محاولة لتحويل الفيديو إلى شريط سينمائي..

وسوف نرى ذلك في فيلم نواف الجناحي «الدائرة»، وأعمال أخرى قصيرة ووثائقية، ومن المشاهد التي سنلاحظها في هذه الدورة أيضا غياب أسماء إماراتية معروفة، لها تجارب في صناعة الأفلام القصيرة، حيث أعلنت دخولها لتنفيذ أكثر من مشروع طويل في عام 2009، ومنهم علي مصطفى الذي يصور حالياً فيلم «دار الحي».

من الواضح أن عجلة السينما الخليجية، بدأت الدوران في مجتمع، طالما اعتبرها غريبة عليه، ودليل ذلك جلب المهرجان ل8 أفلام طويلة، خمسة منها داخل المسابقة الرسمية وثلاثة خارجها، والملفت فيها تنوعها الأيديولوجي والتقني، وخصوصاً فيلما «مغامرات نفوّط» للمخرج طارق راشد، وهو فيلم متحرك ثلاثي الأبعاد يجمع بين التعليم والترفيه.. و«الرهان الخاسر» للمخرج فاضل العلفي الذي يعالج قضية التطرف الديني من خلال جماعة إرهابية وافدة إلى اليمن.

ومما لا شك فيه، أن السينما الخليجية تعيش الآن مرحلة انتعاش حقيقة وغير مسبوقة، فالمهرجانات السينمائية هي التي تدفع الصناعة وليس العكس، وهذا واضح من عدد الأفلام التي شاركت بالفعل في الدورة الثانية لمهرجان الخليج والتي وصلت إلي 169 عملاً، ونافست السعودية لاحتلال المركز الأول في قائمة الدول الأكثر مشاركة، وهذا له مدلولاته. أما مشاركة اليمن الأولى بعد غيابها عن الدورة الماضية، فتعتبر استكمالاً لحلقات متواصلة مع البحرين والدوحة ومسقط وبغداد.

هكذا أصبح من الضروري، المطالبة بدعم الجمهور للسينما الخليجية، خصوصاً أن العروض مجانية في سينما مول فيستفال سيتي، فالمهرجان يفتح عين المشاهد أمام تجارب مختلفة ليست من المنطقة فقط، بل هناك 40 فيلماً من جميع أنحاء العالم، فضلاً عن 19 أخرى من الهند داخل قسم «تحت الضوء»، وبرنامج خاص للأطفال يعرض 20 عملاً متميزاً، بالإضافة إلى حضور حاشد نادر الحدوث لنجوم ونجمات الخليج. ويأتي تكريم ثلاثة من أبرز العاملين في مجال السينما حافزاً لمسيرة العطاء، وعرفاناً بما قدموه وتواصلاً مع الأجيال الجديدة.

ورغم الصعوبات التي يمر بها منظمو المهرجان، واللحظات الصعبة التي يعيشونها مطاردين للأشخاص جلباً للأعمال أو المعلومات، جاءت أفلام هذا العام أكثر تشبثاً بواقعها وتفاصيله، وهي مكاسب وانتصارات صغيرة، في رحلة ليست سهلة بالتأكيد على مدير المهرجان مسعود أمر الله، بل هي ضد التيار السائد حالياً في صالات العرض المحلية، وثقافة سينمائية أصبحت مسيطرة على روادها، مفرداتها العنف والرعب والأكشن والمغامرة.. وأشياء كثيرة لا تحتاج إلى عقل ومشاعر، بل إلى مشروب غازي وكيس «بوب كورن».

ولعل الخطوات الحالية، وما تحقق على مدار السنوات الماضية، تبشر صراحة بمستقبل مشرق للسينما الخليجية المجهولة حتى الآن، الأمر الذي يستوجب تنشيط الوعي السينمائي والفني عموماً لدى المجتمع، خصوصا عندما يتم تقديم أفلام متقنة تحمل العمق الفكري والإنساني، في ظل مناخ يساهم في المضي قدماً نحو سينما أفضل، ومحاولات جادة لاستثمار كل صغيرة وكبيرة، لصنع حدث مهم مثل مهرجان الخليج السينمائي.. هذا ما يصر عليه ويؤكده عبد الحميد جمعة رئيس المهرجان.

دبي - أسامة عسل