في بناء فني مذهل، يعتمد على التفاصيل الإنسانية الدقيقة والمشاعر، وسط تغيرات صادمة عنيفة، حيث يصبح الإنسان مجرد سلعة تباع وتشترى، ومتحملاً أقصى ما يستطيع، من دون أن يفقد الأمل، في أن يتم مد يد العون له لإنقاذه من مستقبل مظلم، يعلم جيداً مدى فداحة ما يمكن أن يتعرض فيه.

ووسط خيوط اجتماعية متمزقة لأبطال فيلم «Trade» أي (تجارة)، الذي يعرض حالياً في صالات السينما المحلية، يكشف مخرجه بذكاء وسخرية مريرة، عن مافيا الجنس وتجارة بيع النساء التي تغزو العالم، مستغلة الحالة الاقتصادية لمجتمعات معينة، حيث يغرر أعضاء هذه الشبكات بالكثير من الفتيات، بحجة العمل في بلدان غنية، أو يسرقون الصغيرات لبيعهن في مزادات، قبل أن تنتهي حياة هؤلاء الفتيات في أماكن تجارة الجنس، ووسط ظروف معيشية صعبة للغاية.

ويتناول الفيلم الذي أخرجه ماركو كروزباينتنر مسيرة فتاتين قادمتين من مكانين مختلفين، ينتهي بهما الحال في أميركا وفي قلب العالم السفلي، عالم تجارة الفتيات الصغيرات السن. الفتاة المكسيكية الصغيرة التي تختطف من قريتها، تجد نفسها مع فتاة بولندية قادمة من الطرف الآخر من العالم، يتشاركان المصير ذاته، بينما يبحث شقيق المكسيكية المراهق عن أخته، مصمماً على إنقاذها من المصير الخطر جداً الذي ينتظرها.

البحث عن الأخت.. ليس هو القضية، وإنما اكتشاف هذا العالم وما يدور فيه، وما عبرت عنه الأرقام هو تجسيد حقيقي لواقع أليم، حيث يتعرض سنوياً ما بين 50 و100 ألف وأكثر معظمهم من الأطفال، يتم تهريبهم سنوياً عبر الحدود الدولية إلى أميركا، حيث يختطفون أو يغرر بهم، ويخدعون بمال أو بمستقبل مشرق، فيشترون ويباعون، وفي كثير من الحالات تكون خاتمتهم باستعمالهم لأهداف حيوانية، كأن يتم استغلالهم جنسياً من قبل مغتصبي الأطفال. وأعطى الفيلم مثالاً عن ذلك، من خلال طفل تايلاندي، تم اختطافه وبيعه لشاذ مقابل 25 ألف دولار.

يحكي الفيلم الذي يستغرق عرضه ساعتين من الزمن، قصة واقعية بطلتها أدريانا (تقوم بدورها بولينا غايتن) وهي فتاة مكسيكية في الثالثة عشرة تختطف من قبل عصابة دولية تقوم باختطاف الأطفال والاتجار بهم، والسعي البائس لأخيها خوركيه (ويقوم بدوره سيزار راموس) لإنقاذها.

وأثناء اختطافها وتهريبها عبر الحدود المكسيكية إلى الولايات المتحدة لبيعها هناك، تتعرف أدريانا إلى فتاة بولندية مختطفة من قبل العصابة ذاتها، هي فيرونيكا (أليشيا بالشيدا) التي تحميها وتدافع عنها. وكانت أليشيا قد وقعت ضحية التغرير بها أيضاً لدخول أميركا للعمل لاستقدام طفلها، الذي تركته مع والدتها في بولندا، حتى تتحسن ظروفها وترسل إلى جلبه، وتتعرض لكل أنواع المهانة والعنف والاغتصاب، وعندما تعلم باختطاف طفلها من المافيا ذاتها، تنتحر من على قمة جبل في مشهد مأساوي.

وبينما يحاول خوركيه جاهدا اللحاق بخاطفي شقيقته، ومتابعتهم من العاصمة مكسيكو إلى مدينة خواريز الواقعة على الحدود مع الولايات المتحدة، يقابل شرطياً أميركيا يقوم بدوره كيفن كلاين، يفاجأ أنه أيضا يبحث عن ابنته التي كانت هي الأخرى ضحية عصابات الاتجار بالأطفال، والذي يعطف على حال خوركيه، ويساعده في البحث عن أخته.

ومع استعراض طرق المافيا لعرض ضحاياها على الانترنت، حيث يقومون بالبيع والشراء، يعرف خوركيه والشرطي أن أدريانا قد تم عرضها في مزاد علني، ويصبح التحدي لهما، كيفية العثور عليها، قبل بيعها كما تباع السلع بأبخس الأسعار في عالم وحشي، قلما ينجو من قسوته أحد.

يعرض الفيلم أيضاً قضايا أخرى، مثل نظرة الأميركيين الاستعلائية للمكسيكيين، المتجلية من خلال النقاشات الدائرة بين خوركيه والشرطي، الذي يساعده في البحث عن أخته. كما يعرض الفساد الحكومي، المتمثل بتعاون رجال شرطة مكسيكيين مع تجار الأطفال، والسماح لهم بتهريبهم عبر الحدود إلى الولايات المتحدة، حيث ينتظر الشواذ من الزبائن.

والأهم هو معرفة الجهات المسؤولة في أميركا عن نشاطات هذه المافيا، وأماكن تواجدها في أميركا وأنحاء العالم، وبدم بارد تكون الإجابات أن المهم تحديد مصادر التمويل ورؤوس الأموال، للتحكم بها دون أدنى اهتمام بالبشر، مع تركيز على عطف وحب ووفاء الأميركيات للقطط والكلاب والحيوانات.

المدهش في هذا الفيلم الذي كتبه بيتر ليندسمان، التفاصيل الصغيرة ورحلة المشاعر المواكبة للأماكن والأزمنة، وما تركته من تأثير ومدلولات، ويأتي أسلوب التجسيد معبراً عن براعة المخرج ماركو كروزباينتنر، بينما أظهر أداء الممثلين مضمون قضية بالغة الأهمية، وهذا ما نراه نادراً في أفلام هوليوود، حيث تنتقل الكاميرا ما بين مشهد وآخر في تتابع وتصاعد، يصعب على المرء تخيل كيفية كتابة مثل هذا السيناريو..ولا كيفية تنفيذه بهذه الصورة الرائعة؟

اسم الفيلم: TRADE ( تجارة)

التصنيف: جريمة و دراما وإثارة

المدة: ساعتان

الكاتب: بيتر ليندسمان

إخراج: ماركو كروزباينتنر

بطولة: كيفن كلاين، كيسر راموس سيلبوس، بولينا غايتن

دبي ـ أسامة عسل