هل سبق أن شاهدت فيلم «قنديل أم هاشم» رائعة الأديب المصري يحيى حقي، والذي جسد خلاله الراحل شكري سرحان شخصية طبيب عيون يضطر إلى العلاج المغلف بسياج من الخرافات.. علاقة وثيقة بين الفيلم وبين هواية غريبة تسمى «التشييش» تنفرد بها قرية مصرية بخليط من الطب الصيني القديم وسياج من الوهم العقائدي المتأصل لدى عامة المصريين، والاعتقاد الجازم بكون «التشييش» ناجحا في علاج أمراض جسدية وأخرى نفسية.. فلندع التفاصيل تتحدث.
تقع قرية «إيبار» التي تحتضن تلك الهواية الغريبة على مقربة من مدينة كفر الزيات الكائنة بمحافظة الغربية / شمال مصر، ويمارس عدد محدود جدا من أبناء هذه القرية هواية «التشييش»، ومن بين هؤلاء شاب يدعى مجدي البطل والذي يعرفه أبناء القرية والوافدون إليها على أنه أحد أبرز الهواة للتشييش.
تربى البطل وتعلم تلك الهواية الغريبة من والده كما تعلمها والده من جده، وعن ذلك يقول: تلك الهواية مورّثة في عائلتنا من جيل لجيل عن طريق الأبناء فقط، لذلك لم يكن غريبا أن أعلمها ابني كما علمها لي أبي.. موضحا أن التشييش ليست هواية فقط لأبناء قريته بل هى عقيدة داخل أنفسهم، فبالإضافة إلى ما تجلبه احتفالات التشييش من سعادة وفرح لمن يقوم بها، يراها الكثيرون علاجا فعالا لبعض الأمراض المزمنة التي عجز الطب الحديث عن شفائها.
استخدامات الإبر، كما هي متعارف عليها، تتنوع بين ما هو طبي، وما هو قائم على موروثات شعبية، كإدخال الإبر في الفم، أو إدخال الأسلاك في الجسم.. لكن هواية التشييش ـ والتي يرجعها البعض إلى المنهج الصوفي، لأنها تقام عادة بنسبة كبيرة في الموالد والاحتفالات الدينية ـ تعني، كما يقول البطل، غرس الإبر الطويلة الحجم داخل جسم الإنسان بطريقة معينة.
هي عملية صعبة ودقيقة للغاية، ويصعب على أي فرد عادي القيام بها، فيجب أن تكون لديه خبرة كبيرة مصحوبة بحذر شديد جدا، حتى لا يلحق الضرر بالأفراد المشيشين، باعتبار أن الإبر الطويلة عند غرسها لابد أن تبعد عن الأعصاب والأوردة.
كذلك هناك خطوات أخرى لابد أن يقوم بها القائم على عملية التشييش، منها تعقيم الإبر بالليمون والخل قبل غرسها، وكذلك دهن الجسم بالليمون والخل، وبعد ذلك - والكلام للبطل - تبدأ عملية التشييش التي تستغرق للفرد الواحد ما لا يقل عن ساعة ونصف الساعة، وخلال هذه الفترة يتم غرس ما يقرب من 500 إلى 700 سيخ «إبرة» للمحترفين، ومن 100 إلى 300 سيخ للمبتدئين.
ومن الأشياء الدقيقة في عملية التشييش وتحتاج لاحترافية أكثر تلك التي يتم خلالها وضع سبعمئة إبرة في جسد من تجري عليه عملية التشييش، ويظل عليها سبع ساعات يطوف خلالها القرية في موكب احتفالي يشارك فيه أهالي القرية.
وحول المحاذير التي يجب تجنبها، يقول البطل: هذه الهواية بها ضرر شديد جدا حال ممارستها بشكل خاطئ.. لكن أهم شيء أركز عليه هو الابتعاد عن الأوردة والأعصاب عند غرس الأسياخ في الجسد حتى لا يقطع أحدها. وإن حدث خطأ أثناء عملية التشييش، تظهر ملامحه بوجود بؤرة حمراء بالجسد تظل ثلاثة أيام على الأقل لكنها في النهاية لا تضر بالجسد إطلاقًا.
الأكثر غرابة في هواية التشييش أن من يمتنع عنها فترة يشعر بعدها أن جسده توالت عليه الأمراض، وقد يعتبر البعض أن هذا عقابا من الله؛ لأنهم يعتقدون أنها «نذر» على الذي يقوم بها يقدمه كدليل على حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في الاحتفالات الدينية والموالد بدون مقابل.
أيضًا الاهتمام المبالغ بهذه الهواية جعل كل فرد في احتفالية «التشييش» يظهر «بنيولوك» جديد كتغطية «الإبر بالخرز»، أو الورد بالألوان المختلفة وتعطير بعضها، والتقاط الصور الفردية والجماعية وقت الاحتفالية.
وبسؤاله عن الضرر الجسدي من تأثير هذه الإبر المصنوعة من المعدن على الجسد، وإمكانية إصابة الشخص ببعض الأمراض المزمنة، يقول البطل: نحن حريصون جدا على الحفاظ على عدم تلوث هذه الإبر لأنها من المعدن ومعرضة للصدأ، ودائما نضعها في وضع التعقيم الدائم لأننا نحاول مساعدة من يأتي إلينا في الشفاء من الأمراض المزمنة وخلافه لا لزيادة مرضه أكثر. ويرفض البطل ما يردده البعض عن أن التشييش ما هو إلا بدعة متوارثة، ويقول نعم يقال عنا إننا نبتدع ونبتكر ما هو ليس موجودا، ولكننا كأبناء هذه القرية وأهلها مقتنعون جدا بما نفعله والنتائج التي نحققها.
البطل بالطبع تعرض خلال ممارسته لهواية التشييش لمواقف غريبة، وعن ذلك وحول التاريخ الذي تعود له هذه الهواية الغريبة، يؤكد البطل أنه لم يستطع أحد من أهالي القرية تحديد مدى رجوع هذه العادة لأي من الأزمنة الماضية، لكن هناك أقاويل كثيرة في نشأة التشييش، حيث يقول البعض إنها تعود إلى زمن الفاطميين والعثمانيين، بينما أرجع أحد المحللين التاريخيين شيوع هذه العادة بالقرية إلى المغاربة الذين انتقلوا إلى القرية عن طريق التجارة، وكذلك هناك فريق ثالث أرجع انتشار ظاهرة التشييش إلى بعض الطرق الصوفية خاصة الطريقة الرفاعية.
وحول المسؤولية القانونية في حال حدوث خطأ ما من القائمين على التشييش، قال البطل: نحن لا نضع أنفسنا في هذا الموقف لأنه أكيد إذا حدث شيء للمشيش سوف يكون هناك مسؤولية قانونية ولكننا حريصون جدا - كما قلت - على تجنب ذلك ونرشد المبتدئين الصغار حتى لا يقعوا في الأخطاء.
بعد عقائدي
لأنها هواية غريبة كان من الضروري أن نلقي بتفاصيلها على مائدة خبراء علم النفس، حيث أكدوا أن إقبال الشباب على هذه الهواية معناه شعور قوي بالفراغ لديهم ولذلك يجدونها وسيلة للتنفيس وإثبات الذات تعود عليهم بالسعادة.
بدورهم يؤكد العلماء أن التشييش عادة لا علاقة لها بالدين، فكغيره من البدع يتسم ببعد عقائدي توارثه أهالي إيبار .. ويعتقد من يقبل على هذه العادة بأنها علاج فعال للأمراض المستعصية إلى جانب الاعتقاد أيضا في قدرتها على فك السحر والحسد.
قرية إيبار التي تنفرد بهواية التشييش، هي قرية أثرية يرجع تاريخها إلى وقت دخول العرب إلى مصر وكانت القرية آنذاك أشبه بجزيرة يحيط بها النهر.. وقد ذُكر اسم القرية في خطط المقريزي، كما ذكرها الرحالة ابن بطوطة، في مؤلفاته.
تضم القرية أماكن أثرية إسلامية وفرعونية مثل مسجد «العمري» الذي بُني في عهد عمرو بن العاص 18ه، ولم يتبق منه سوى مئذنته فقط ، بالإضافة إلى مسجد آخر ينتمي للعصر الأيوبي. وبالإضافة إلى الآثار الإسلامية، تضم القرية أديرة تاريخية.
القاهرة - دار الإعلام العربية


