يواصل «الحواس الخمس» اليوم حملة «التحذير من مخاطر الهاتف المحمول» بل من «مخاطر الاستخدام السيء» لهذا الهاتف الصغير.. والآن وفي هذه «الحلقة الأخيرة» تأكد وجود الأضرار، تأكد أن العلم والبحث غير قادرين حتى الآن على تحديد هذه الأضرار، وقبلها حدثت مساوئ في استخدام «الهاتف المحمول» فالمستخدمون شاركوا الشركات المنتجة في إخراج «الهاتف المحمول» عن غرض اكتشافه واستخداماته، بعدما تعاملت الشركات معه طوال الفترة الماضية على أنه «سلعة تجارية» فقط، والتخوفات الآن أن يتم تطوير الهاتف المحمول عبر ما يسمونه بالأجيال الجديدة للآلة، لتمكين استخدامه في إدارة المنزل وتشغيل كل أجهزته عن بعد.

لكن في المقابل «الهاتف المحمول» أحدث «نقلة حضارية» في حياة الناس، فالاتصال التليفوني بين المدن والمحافظات وبين عواصم البلدان النامية ومنها بلداننا العربية، كان يأخذ في السابق نحو 3 ساعات لطلب الاتصال وأحيانا لا يتم.وكان طلب سيارة الاسعاف أو سيارة المطافيء بالهاتف أمر ليس بالسهولة.وأكثر من 65% من سكان العالم الثالث حتى الثمانينيات لم يكونوا يعرفون كيف يستخدمون الهاتف العادي «الثابت أو الأرضي»، ولا يعرفون جانب الإرسال أو الاستقبال في السماعة.الناس تحدثوا في المحمول قبل أن يتحدثوا في الهاتف الثابت، لأن تكاليف الأخير كانت كبيرة، وكان يخضع لإجراءات تتدرج تحت أساليب الحكم الشامل في البلدان النامية، وإجراءات إيجار منزل وعنوان معروف.

والهاتف المحول إلى جانب ما أحدثه من تطوير في خدمة الإعلام، خدم «ثقافة الحوار» فخريج الجامعة نفسه حتى أوائل التسعينيات لم يكن يجيد التحدث خارج معلومات وإدارة المدرسة والكلية.

ولم يكن متاحاً أن تتصل نشرة الأخبار في أية قناة تلفزيونية أو محطة راديو -على الأقل في بلداننا - بمصدر على الهواء مباشرة، لكن مع كل هذه الفوائد تطورت الأضرار ولحقت بالوضعية الاجتماعية للأسر المحافظة في بلداننا العربية وحتى بلدان الغرب المنفتحة إجتماعيا لأبعد الحدود.

وصاحبه تقاليد وعادات سيئة بالفعل، والمطلوب الآن التعامل العقلاني مع هذا الاختراع الحضاري، والبعض يطالب بمعادلة بالمثل بين الهاتف المحمول والسيجارة، فالمتضررون من رنات ومحادثات الغير يصرخون، ورنات الهاتف تسمعها من الشارع ومن شقة الجيران والمطلوب أن نتعامل معه بنسمات «الوشواشة».

فيما يلي عرضا لآخر التخوفات والأضرار والفوائد والتطلعات: بداية توصل مارتن لاختراع الهاتف المحمول وأجرى أول مكالمة به في 3 أبريل 73 كتليفون لاسلكي.. والهاتف المحمول تطور طبيعي للهاتف الثابت أو الأرضي الذي ظل مستخدما منذ اختراع غراهام بيل ومساعدة واطسون له في يوليو 1875.

وحتى بداية ثمانينات القرن الماضي لم يكن معروفاً للهاتف المحمول، إلا الهاتف اللاسلكي، ثم ظهرت أجهزة النداء التي عرفت باسم (البيجر) وكانت تنبه لأن أحدا يطلبنا للإتصال به من الهاتف الأرضي طبعاً، وفي أوروبا كلها وعلى سبيل المثال كان هناك محل واحدفي ضاحية ساوز كينزينجتون في قلب العاصمة البريطانية لندن، يعرض في واجهته قطعتين للهاتف المحمول.

في أواخر الثمانينات، وكان الواحد منها في حجم أكبر من كف اليد وكله أزرار، وكان في المحل نحو 8 موظفين وموظفات يديرون استخدام الجهازين، وكان مكتوبا في الواجهة أن الهاتفين للإيجار، ويختص بالإيجار الشركات العاملة في مناطق بعيدة، لكن في أوروبا الآن يشترط فقط حساباً في البنك بعده يتم التسجيل في أي محل ويحصل المستخدم على الهاتف.

وقد ساعد أو تضامن مستخدمو الهاتف المحمول مع الشركات المنتجة في إخراج الهاتف المحمول عن غرض اكتشافه واستخداماته، وشجعت شركات المحمول المستخدمين على الاستخدام والكلام، فبعض الشركات وبعد التعاقد تعطي فترات سماح مجانية يومين في الأسبوع أو 12 ساعة يومياً من المساء وحتى الصباح، وأنتجت الشركات المزيد من لوازم الاستخدام أو ملحقات المحمول، كالسماعات والأغلفة والجراب متعدد الألوان والميداليات، ومنها ما يصدر ضوءاً عندما ترد مكالمة وأنتجوا ما يسمى ب«الرنات».والهاتف به توقيت ساعة ويمكن استخدامه كمنبه للوقت.

الخوف الآن من أن يتطور استخدام الهاتف المحمول فيما تسميه الشركات المنتجة ب«الأجيال الجديدة للهاتف المحمول». والخوف من أن يستخدم الهاتف المحمول ليدير به مستخدموه بيوتهم عن طريقه، فهو سيتطور ليفتح الأبواب ويشغل الثلاجة والأفران والفيديو ويستقبل كل الرسائل وتطالع منه إرسال الهاتف وأشياء عديدة يمكنك قضاءها.

لكن في الوضع الحالي وإجمالاً لأضرار الهاتف المحمول، فإن العلم والبحث لم يذكرا حتى الآن ولم يحددا أضرار المحمول، والذي تأكد أنه مصدر إشعاع، والإشعاع له أضرار مدمرة قد تهلك مستخدمه، والأكثر إيلاماً أن الأضرار مؤكدة، لكن لأسباب قد يتدخل فيها المنتجون، فإن تحديد الأضرار لا يزال مؤجلاً.

واستخدام الهاتف المحمول أحدث أضراراً قد تكون في نظر الكثيرين لها من النتائج ما هو أسوأ من أضرار الإشعاع، فالمحمول أحدث شروخاً في «الوضعية الاجتماعية» للعائلات المحافظة في كل بلدان العالم، خاصة بلداننا العربية المحافظة وتلاشت السرية وتلاشت الرقابة على الابناء وتصدعت إمكانيات السيطرة عليهم بغرض ترشيدهم، فالكلام أصبح مباحاً من الجميع سيدات ورجال، بنات وشبان، ولا أحد الآن بإمكانه أن يراقب حديث أحد حتى داخل جدران المنزل الواحد.

الآن لا بد من التأكيد على أن الهاتف المحمول اختراع حضاري لا يمكن الاستغناء عنه في حياة الناس، يسَّر الاتصال واختصر الزمن، لكن لا بد من ترشيد استخدامه، فبالنسبة لما أثر به على وضعية عائلاتنا العربية فقد وجدت فيه الأسرة العربية سبيلاً للاطمئنان على أبنائها خارج المنزل ومتابعة من في المنزل إن كنا في الخارج.

بل أصبحت العائلات في أكثر المناطق العربية تواضعاً من حيث الحالة الاقتصادية تتفاخر بأن بناتها يمتلكن الهاتف المحمول، وأصبح تقريباً من مستلزمات الالتحاق بالجامعة، لأنه مع بداية مرحلة التعليم العالي تبتعد البنت عن الأسرة وأحياناً تقيم إقامة كاملة بعيداً عنها لمتابعة الدراسة، وأمكن للأسرة متابعة أحوالها في سهولة ويسر.

وما أحدثه المحمول أيضاً أن تلاشت الخصوصية في أحاديث الناس، فالكل يتحدث في أي مكان وداخل أي مركبات، وكانت هناك دعوة لا يزال البعض يسعى لتفعيلها مفادها المطالبة بمنع استخدام الهاتف المحمول في أماكن الانتظار وداخل المركبات، حتى لا يزعج المتحدثين الآخرين بثرثرتهم، ويدافع عن هذا الطلب كثيرون يؤكدون أنهم يرصدون مكالمات غير ذات أهمية بين المتحدثين في الهاتف، وأمام ارتفاع سعر الاستهلاك في بعض البلدان، يلجأ الشباب إلى استخدام الرنات فقط لإعلام الأصدقاء أنهم يطلبونهم دون الحديث في الهاتف.

وبدورها تشكل الرنات مصادر إزعاج كثيرة للآخرين، فالبعض يستخدم أغاني وآخرون يستخدمون الموسيقى بمختلف أنواعها شرقية وغربية، حتى موسيقى مقدمات البرامج التلفزيونية أصبح البعض يستخدمها رنات للهاتف المحمول،.

ولا نجد أي نسبة بين المشتركين يضعون رنة الهاتف العادي أو الثابت أو الأرضي رنة لهواتفهم المحمولة، رغم أن «رنة جرس الهاتف» وهو ما اعتاد الناس عليه قبل أكثر من قرن من الزمان كان ينبه الناس للحديث ويهيئهم له وكانت الاتصالات في الغالب مهمة ومفيدة ولقضاء المصالح، لكن الرنات الحديثة تشيع أجواء عدم الجدية أو التفاخر، وهذا يقود إلى ظاهرة التفاخر بامتلاك الهاتف المحمول فلايزال الهاتف المحمول جهازا عالي التكلفة في كثير من البلدان.

ومن أوضح مساوئ استخدام الهاتف المحمول رغم فوائدة المتعددة انه اصبح «الصديق الأوحد» لكثير من السيدات والفتيات، على وجه التحديد فالأسر المحافظة لاتزال ترى في الاختلاط مساوئ ترفضه بسببها، لكنهم لايرفضون أن تتحدث بناتهم في الهاتف المحمول، بل ان العديد من السيدات يمضين وقتا طويلاً في الحديث عبر الهاتف المحمول، لدرجة يمكن معها رؤية سيدة تنتظر مركبة أو تنتظر في عيادة طبية أو في محل، فانها تخرج الهاتف المحمول لتمضي الوقت معه بإجراء مكالمات مع أقارب أو معارف أو صديقات.

والآن الهاتف المحمول أصبح ضرورة حضارية فقد خدم رجال الامن ووحدات الجيوش بعد أن كان في كل وحدة عسكرية «سرية» مهمة أفرادها اليومية الإطمئنان على وصلات أسلاك الهاتف للاطمئنان على سلامتها، لكن سوء الاستخدام قد يجلب الضرر.

وقد أُطلقت على «الهاتف المحمول» مسميات كثيرة لكن أقربها إلى «الإستخدام الرشيد» ما أطلقه مواطن عربي كان يعيش في العاصمة البريطانية لندن على هاتفه» وجاءت التسمية عبر برنامج كانت تبثه اذاعة عربية في لندن اسمها «سبيكتروم. F.M» وكان يديرها الإعلامي العراقي فلاح هاشم،.

وكان البرنامج إسبوعياً مدته ساعتان هي كل مدة إرسال الإذاعة اليومية، وكان مخصصاً ل«الإعلان المجاني» عن بيع أو شراء أو طلب وظائف أو طلب عمل وخلافه، وكانت غالبية الاتصالات في هذا الاطار.. وفي أحد الأيام، رن هاتف الاأستديو وقال مدير الإذاعة الذي كان يقدم البرنماج بنفسه أهلا..

ودار الحديث التالي:

- السلام عليكم

- وعليكم السلام

- عايز أعمل إعلان

- إعلان أيش

- عايز أبيع «الوشواشة»

- تبيع أيه

- «الوشواشة»

- أيه الوشواشة دي

- هذا المحمول تبعي.. أنا أسميه «الوشواشة».

فلنتعامل مع الهاتف المحمول بالاخلاقيات التي تثيرها هذه الكلمة في النفس لتحفظ له ضرورة استخدامه، ونحفظ أنفسنا من أضراره، ومن إزعاج الغير، واختراع الهاتف المحمول نعمة من الله « فقد تعرضت سيدة بريطانية لهجوم ضار، عندما تعطلت سيارتها قبل اختراع المحمول» وكانت على طريق سريع وتركت السيارة وصعدت إلى جسر خط السكك الحديدية تطلب النجدة من تليفون «السيمافور» فلنحفظه واحدة من نعمه سبحانه وتعالى.. لا تُعد ولا تُحصى.

دبي - جمال توفيق السكري