الفقر والعوز والتشرد.. قضايا كثيراً ما تناولتها السينما والدراما العربية ـ والمصرية على وجه الخصوص بشكل مكثف، وهناك أفلام تناولت تلك القضايا بموضوعية شديدة وطرحت العديد من الحلول، لكن صاحب تناولها مؤخراً كثير من الاستسهال، بل وكثير من التجاوزات التي اعتبرت شريحة أبناء الطبقة الفقيرة والقاطنين في المناطق الشعبية لا خير فيها ولا أمل يرتجى منها.
ينطبق هذا القول على فيلم «بدون رقابة» الذي يعرض حالياً في دور العرض السينمائية، وقام ببطولته دوللي شاهين، علا غانم، ماريا، أحمد فهمي، راندا البحيري، باسم سمرة، وإدوارد...، ومن إنتاج وإخراج هاني جرجس فوزي، حيث تناول الفيلم واقع أبناء الطبقة الفقيرة بشكل مجاف لحقيقة واقعهم الاجتماعي والنفسي، وكان الانحراف والتشرد لأبناء هذه الفئة هما الأساس الذي اعتمد عليه الفيلم في وصفه لأبناء الطبقات الفقيرة برغم أن أغلبهم كانوا ولايزالوا من النابغين والناجحين في مجالات كثيرة رغم ظروفهم الاقتصادية.وعلى الرغم من أن هناك اتفاقاً بين أهل الفن على أن السينما متعة بصرية وذهنية ووسيلة من وسائل توصيل وتعميق فكرة الخير والجمال، وليس أداة للإثارة الرخيصة، إلا أن فيلم «بدون رقابة» تجاهل كل ذلك وحمل الكثير من المشاهد المثيرة للغرائز والمعزولة تماماً عن سياق البناء الدرامي للفيلم، بل أغلبها لا يمت للموضوع بصلة، ما ساهم في إضعاف العمل بصفة عامة.
النقاد زادوا على ذلك بالإشارة إلى أن هذا الفيلم جاء دون رؤية فنية واضحة أو هدف محدد، بل اعتمد على مجموعة من المشاهد للعلاقات الجنسية بين بعض الشباب الجامعيين مصحوبة بإيحاءات جنسية غير مبررة، في محاولة للتأكيد على أن الفقراء يمكن أن يفعلوا كل شيء للكسب الرخيص، والخروج من حالة الإحباط التي تسيطر عليهم بأي وسيلة ممكنة.
والمتابع لأحداث الفيلم يجد صناعه لخصوا واقع وطموحات أبناء الطبقة الفقيرة في شقة شاب ثري بحي الزمالك يملك أموالاً هائلة ينفقها على أصدقائه من الفقراء وعلى فتاة ضائعة وأخرى شاذة (قامت بدورها علا غانم)، وكلهم يعيشون على مائدة الشاب الثري يحتسون الخمر والمخدرات والحشيش ويمارسون الجنس العلني والشذوذ والعادة السرية دون خجل أو إحساس بالخطأ؛ ولذلك ركزت المشاهد على تصوير الأرجل والصدور العارية والإيحاءات والحركات الجنسية وهم يدخنون المخدرات ويتناولون الخمور.
ورغم جرأة الفيلم في التعبير عن مشاهد الجنس والشذوذ لم يلق أي قبول جماهيري فضلاً عن الهجوم النقدي على أحداثه ما أدى إلى إخفاقه في تحقيق أي إيرادات تذكر، وهو ما أرجعه عدد من النقاد إلى عدة أسباب، منها قيام أربعة من الكتاب الشباب المغمورين وهم: أيمن جمال، وعبدالله حسن، وأكرم برديس، وخالد أبوبكر، بكتابة أحداث الفيلم، ما أدى إلى ظهوره كمجموعة من اللقطات غير المترابطة فنياً دون أن تحكمها أو يربطها أي ضبط درامي.
أيضاً لم يكن اختيار أبطال الفيلم - حسب النقاد - أقل سوءاً من السيناريو، ورغم أن المخرج هاني جرجس حاول الخروج من أزمة السيناريو، لكنه فشل لضعف وركاكة الورق الذي عصر فيه 4 كتاب شباب أفكارهم المتناقضة والمتباعدة، كلٌّ من وجهة نظره، وقد بات هذا أكثر وضوحاً في الكليب الذي عرض في بداية الفيلم للفنانة علا غانم والذي أظهرها كموديل بملابس مختلفة، بينما لم يكن للمشهد أي علاقة بسياق العمل، وهذا ما لاحظه معظم من تابعوا الفيلم في دور العرض.
واللافت أيضاً أن الكثير من شخصيات الفيلم لم يكن لها أيضاً خط درامي واضح ودون خلفيات توحي بمعالم الشخصية، حيث اعتمد الفيلم في حالات كثيرة على الحكي دون أن يشاهد المتلقي الصور المصاحبة لتلك الحالات .
وهو ما أصاب الجمهور بالإحباط في كثير من الأحيان، وقد اتفق معظم النقاد مع هذا الرأي مؤكدين أن الاستغناء عن الصورة في مثل تلك المشاهد التي من المفترض أن توضح معالم وأبعاد الشخصية أو الواقع الذي يحكي عنه خطأً كبيراً لا يقع فيه حتى المبتدئون في مجال السينما. وأكدوا أنه من الممكن الاستغناء عن الحوار في كثير من المشاهد ولكن لا يمكن الاستغناء عن الصورة.
خطأ آخر وقع فيه صناع فيلم «بدون رقابة» يتعلق بأعمار الممثلين الحقيقية مقارنة بأعمار الشخصيات التي يقومون بها في الفيلم، حيث رآها الكثيرون غير مناسبة، مع العلم بأن أعمار شخصيات الفيلم موجودة بكثرة بين عشرات الممثلين والممثلات في الساحة السينمائية .
ومع كل هذه الأخطاء التي وقع فيها الفيلم، فقد عقد النقاد مقارنة بين ما قدمه الأديب العالمي نجيب محفوظ من أعمال تصف المجتمع المصري بكل فئاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبين ما قدم في فيلم «بدون رقابة».
وانتهوا إلى أن محفوظ كان موضوعياً في تناوله الذي كان يحمل كل التفاصيل الدقيقة بواقعية شديدة، وظهر ذلك من خلال روايته «ثرثرة فوق النيل» عام 1966 قبل نكسة يونيو التي رصد خلالها المجتمع بكل فئاته وطبقاته وسجل حياة المحبطين عندما ضاعوا في عوامة فى النيل هرباً من مواجهة الواقع، في رفض صريح لواقعهم رغم أن لكل منهم حياة سابقة حاولوا فيها إثبات ذاتهم ولكنهم فشلوا في بادئ الأمر في أن يرسموا مستقبلهم وحياتهم نتيجة الفساد الذي كان سائداً فترة ما قبل النكسة، ومع ذلك جاء تناول هذا نجيب محفوظ معبراً عن الواقع الذي احترمه المشاهد بقوة وسمح الورق للقائمين على الفيلم بأن يخرجوا بالعمل بلا عناء أو محاولات خارج الموضوع.
لكن في «بدون رقابة» كان الأمر مختلفاً، فمنتج الفيلم لايزال مقيداً بتلك الفترة التي كان يبحث فيها الشباب عن شريط فيديو لفيلم عن الجنس ليقضوا معه بضع ساعات، رغم أن الدنيا لم تعد متوقفة عند فترة بعينها، حيث تغيرت الدنيا كثيراً منذ ذلك الحين، وما يدل على ذلك أن الشباب لم يعد اليوم يبحث عن مشهد عابر، أو ينتظر مهرجان القاهرة السينمائي لرؤية مشاهد لأفلام عارية تُطرَح خلال فعالياتهن رغم أن الشباب مازال يعاني من حالة حرمان جنسي.


