وردة الجزائرية كما ذاعت شهرتها طويلاً، صوت صداح ممتلئ بقدرات تكاد تكون متكاملة فهي ذات حضور مؤثر على جمهورها وتستطيع بأدائها الجميل المتميز أن ترضي الحضور والمستمع والمتلقي حيث إنها تنتقي كلمات أغانيها انتقاءً دقيقاً، كذلك بالنسبة لاختيار الألحان التي تتعامل بها، فإن الفنانة القديرة وردة تتصل وتحاور وتنسق مع الملحنين ذوي الخبرة المقرونة بالتطور الذي يحاكي أذواق ورغبات الجمهور صاحب الأذن المثقفة الذي يريد فناً ناضجاً خالياً من الشوائب التي تأنفها المسامع الذواقة.

اسمها وردة محمد فتوكي، مواليد برج الأسد 22 يوليو 1940، جزائرية الأصل فرنسية المولد مصرية المنشأ ومن أم لبنانية، ذلك أن والدها كان مقيماً في باريس فكانت ولادتها هناك، وكان يملك ملهي يسمى (تم تم) وقد كان في هذا المكان نشاطها الأول في الغناء حيث كانت تؤدي فيه وصلات غنائية وعمرها 12 سنة لكبار المطربات العربيات مثل أم كلثوم ونور الهدى وأسمهان. وكان الجمهور العربي المتواجد في باريس يأتي إلى الملهى ويتمتع بسماع تلك الأغاني التي تشده إلى ذكريات الوطن وتساعده في الهروب من آلام الغربة، إلا أن السلطات الفرنسية أغلقت هذا الملهى، فانتقلت وردة إلى لبنان بلد والدتها وأصبح لها أغان خاصة وابتعدت عن التقليد ثم سافرت إلى القاهرة، بعد أن تأكدت أنها أصبحت متمكنة من نفسها ومطلوبة من قبل متعهدي الحفلات.

كان ظهور الشابة الوافدة من بلد الجزائر الذي يعيش حالة صراع مع الاستعمار الفرنسي ظهوراً لفت الأنظار من خلال الأوبريت الوطني نشيد «الوطن الأكبر» الذي ساهم في أدائه نخبة من الأصوات المرموقة في الوطن العربي.

في مقدمتهم الفنان الراحل عبدالحليم حافظ وفنانات مشهورات مثل نجاة الصغيرة وشادية وصباح وفادية كامل، وقد كان لمشاركة الفنانة الجزائرية وردة مع هذه الباقة خاصية مازال المتلقي العربي يختزنها في ذاكرته علماً بأن الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب هو الذي لحن هذا العمل الفني الكبير، فقد كان للفنانة وردة مساهمة في نشيد «الوطن الأكبر» وكانت تتغنى ببطولات الجزائر المكافحة ضد الهيمنة الاستعمارية في أغنيات مثل «وطني يا ثورة علي استعمارهم.. أن جزايرك نار دمرهم.. لو نستشهد كلنا فيه.. صخر جبالنا راح يحاربهم».

قدمت وردة على مدى مشوارها الفني الممتد ستة أفلام سينمائية، واشتركت بعدد من الأفلام الغنائية بعد أن انحسرت هذه الأنواع من الأفلام وخاصة الاستعراضية منها، لكثرة النفقات وعدم وجود النصوص الملائمة ولوجود القدرة الأدائية للفنان والمطرب والممثل، أمثال ليلى مراد وشادية وعبدالحليم ومحمد عبدالوهاب.

وقد شاركت في بطولة فيلم «ألمظ وعبده الحامولي» مع المطرب الراحل عادل مأمون فبدأت نجاحاتها تقلق الآخرين في الوسط الفني، وبما أنها كانت حديثة العهد على تلك الساحة والوسط قررت الخروج بسلام وعادت إلى الجزائر بلدها الأصلي وتزوجت وأنجبت «رياض ووداد».

لم تستطع وردة قلع جذور الفن من أعماقها فكان هاجسه يؤرقها ويعيش معها في كيانها، فكانت العودة إلى عالم الأضواء والفن في بداية السبعينات في حفل غنائي أقيم بالجزائر، وقد غنت لحناً لبليغ حمدي وتم طلاقها من زوجها الأول وعادت إلى القاهرة ودخل بليغ حمدي في حياتها بقوة وبحب شديد، فقد كان فناناً كبيراً ورائعاً وأمل الموسيقى العربية .

كما عبر عنه الراحل عبدالحليم حافظ، وتقول الفنانة وردة عن ارتباطها بالفنان الراحل بليغ حمدي: لقد تزوجت بليغ بأمر صادر من قلبي وقد أحببته فعلاً وتزوجته بالرغم من معارضة أسرتي وقتها، لكونهم سمعوا عن بليغ ما لا يسرهم من أن زواجي منه زواج مصلحة إضافة إلى شخصيته الفنية البسيطة، لقد تعاون معي في تقديم أجمل الألحان من خلال موسيقاه الحالمة وكلمات شعراء أكفاء مشهود لهم بجمالية الكلمة، وعشت معه سبعة أعوام إلى أن تم طلاقي منه عام 1979 .

وشاركت وردة في فيلم «صوت الحب» مع الفنان حسن يوسف وهو الفيلم الأول بعد عودتها إلى القاهرة، وكان لقاؤها الأول مع الراحل الفنان رشدي أباظة في فيلم «أميرة العرب» كذلك اشتركت معه في فيلم «حكايتي مع الزمان» وكان آخر أفلامها بعنوان «ليه يا دنيا» أمام الفنان صلاح السعدني، وقدمت وردة مسلسلين تلفزيونيين أحدهما هو «أوراق الورد» يتذكر المشاهدون العرب لها منه أغنية شهيرة للأطفال هي «أنا عندي بغبغان».

تقول الفنانة القديرة وردة الجزائرية عن أداء بعض المغنيات حالياً إنه ظاهرة تجعل المطربة تعرض مفاتنها أكثر مما تبدع في أدائها، وتهتم بجمال صوتها وحفظ المقامات وأنواع الموسيقي،.

وأن اعتماد التكنولوجيا الحديثة بهذا الإسراف وخاصة «الفيديو كليب» لا يتيح للمتلقي أو المشاهد أن يحفظ كلام الأغنية فهو يضيع بمتاهة التصوير والحركات السريعة والأجساد التي تهتز وحتى الموسيقى غير موزونة ومتشابهة الإيقاعات والأنغام، وهذه ظاهرة سوف تنتهي كما انتهت من قبلها موجات غير ملتزمة ولا يصح إلا الصحيح، ويبقى الفن الأصيل أصيلاً والهابط ينتهي ويُنسى.