«بعضاً مني ومنهم..» في لقاء الشعر والتشكيل، بريق إبداع ترجمته بتجلٍ أنامل إماراتية تعشق الكلمة بحجم تعلقها بالصورة، لتعكس في مرآة لوحاتها ملامح أخرى من التمرد، والشجن والألم، والوطنية والعشق، وسبر أغوار الذات.. وفي الطريق إلى الحكاية مشوار طويل يجول في خاطر الحاضرين بجمال صورة، لونتها كلمات مثقلة بالمعاني، لشعراء يظلون أعلاماً عربية راسخة إلى لا نهائية اللوحة، التي لا يحدها تفسير أدق الناظرين حرفية.
الفنانة التشكيلية سلمى المري، وبعد عام من الاعتكاف خلف جدران محترفها المنزلي، أطلت على الجمهور حاملة لهم جمال التقاء الكلمة مع التشكيل، فحظيت بفرصة التعبير اللا محدود عن مكنونات إنسانية، تتجاوز الحدود وتقتحم أفق الذات الإنسانية بتعابير القلب والعقل والروح، وذلك كان أحد أسرار نجاح لوحاتها المنتقاة بسحر الكلمة والصورة.مساء الاثنين الماضي، كان الجمهور على موعد مع حدث ثقافي وفني أشمل تعبيراً، احتضنته جدران ندوة الثقافة والعلوم في دبي، واشتمل على ثلاث فقرات ثقافية تفوق كل واحدة الأخرى روعة وحضوراً، الأولى تجسدت في لقاء الشعر والتشكيل، بمعرض تحت عنوان «بعضاً مني ومنهم» للفنانة الإماراتية سلمى المري، والثانية كانت توقيع ديوان «ألا ارتحلي» شعر محمود صالح وتشكيل سلمى المري.
وتضمن 14 قصيدة رافقها 45 عملاً فنياً تشكيلياً. أما الفقرة الثالثة فتلخصت في أمسية شعرية للشعراء أحمد راشد ثاني وبروين حبيب ومحمود صالح.. وحظيت هذه الفعاليات جميعها بافتتاح رسمي جسده معالي حميد القطامي وزير الصحة، بحضور نخبة من المثقفين والفنانين العرب.
«الحواس الخمس» كانت على موعد مع الفنانة سلمى المري، للوقوف عند حدود الشعر والتشكيل، وللتعريج على مدلولات مقولتها الوحيدة «استنزفت أشعارهم.. فأراقوني لوناً.. وفاض بعضاً مني ومنهم».
هذا وذاك البعض، بحسب ما توضح سلمى، يجسد في لوحات تشكيلية قصائد شعرية منتقاة لستة شعراء بارزين، وهم: أحمد راشد ثاني، وبروين حبيب، وغادة السمان، ونزار قباني، ومحمود درويش، ومحمود صالح.. منهم الكلمة ومنها الصورة، والنتيجة لوحات إبداعية تشق طريقها إلى القلب والعقل بإراقة ألوان مخففة من الأكريليك، تفيض بتعابير إنسانية شتى أبعد وأسمى من مجرد كلمة وصورة.
لسنة كاملة ظلت سلمى المري تعاند الكسل والملل، وهي تجمع ملامحها الإنسانية مع تعابير فصيحة لأبلغ الشعراء، تقحم الكلمة في اللون، وتترجم الرؤية إلى حلم، وتصنع من متفرقاتهم الشعرية آيات من الجمال، وتعنون للإرادة بريشة ورسم، فكان منها أن استنزفت أشعارهم التي نطقت لها بالقول المبدع للفن.
ذلك المعرض الذي ضم 48 لوحة فنية مختلفة التعابير والإيحاءات، وتواصل حتى السادس والعشرين من الشهرالجاري، قصده مئات الأشخاص، وكان في ليلة افتتاحه أشبه بعرس فني، وهو في النهاية إبداع تشكيلي من سلمى ابنة الإمارات، التي أرغمت الشعراء العرب على الحضور دونما يعلمون، وذلك بقصائد لونتها ريشة المري الفنية جاعلة منها حكاية من الجمال، تدور في فلك لا ينتهي من السمات الإنسانية المعلقة على جدران مقر ندوة الثقافة والعلوم في دبي.
اختارت سلمى المري أنماطاً متنوعة للشعر والكلمة، وآثرت ألا تحتكر المعرض لاسمها وحسب، فجلبت إلى جمهورها سبعة أسماء، ستة شعراء وهي، مؤكدة أنهم ممن أثَّروا إيجاباً في تكوين شخصيتها الفنية والاجتماعية، حتى ظلت القصائد بمجملها، كما المعالجات النفسية بالنسبة لها، فمثلما تعتز المري بأسرتها الحقيقية، تعتبر هؤلاء الشعراء أسرة أخرى يؤنسون حياتها، ويستخرجون عواطفها، ويستنبطون إبداعها الداخلي، لتنطلق في فضائها بمزيد من الحلم والأمل بالحياة.
لقاء الشعر والتشكيل، لدى سلمى المري تجربة قديمة، بدأتها منذ دراستها الجامعية مع ديوان للشاعرة أمل السويدي، وأكملتها في راوية «ذات المخالب» للكاتب علي أبو الريش، فهي تتلاقى مع الكلمة بأريحية تامة، وفي هذه الأثناء ترسم تشكيلياً لكتاب ألفته بعنوان «أبيض وأسود»، ويأتي على شكل سيرة ذاتية مرتبطة بالمجتمع، بما يتخللها من واقع اتحاد دولة الإمارات، وذكريات المدرسة والحنين إلى «الفرجان»، وترى المري أن تجربتها مع ديوان «ألا ارتحلي» للشاعر محمود صالح تبدو مختلفة، حيث تتميز الكلمة هنا بثقل شعري.
سلمى المري فنانة إماراتية أبدعت تشكيلياً في أعمال عدة، وهي «أنماط البشر» و«أهازيج وجدانية»، و«مركز اهتمام»، و«تحت الحصار»، وأخيراً «بعضاً مني ومنهم»، وتنشد في مخيلتها الفنية ألواناً أزهى من السمات الإنسانية التي تعتصرها دوماً في لوحات الكلمة والصورة، بينما تبقى الجملة الشعرية، مفتاحاً لحلقة إبداعها المتسعة في الأفق.
دبي ـ عنان كتانة

