كل منا له مشكلاته الصغيرة والكبيرة، وفي أحيان كثيرة تتراكم، لتصنع جبالاً من الأرق والتوتر وعدم الثقة، ويتملكنا إحساس عدم رؤية الأمور على حقيقتها، أو بمعنى أدق نفقد إرادة اكتشاف الحقيقة، خصوصا تجاه من نحب، ويصبح مفترق الطرق هو المفصل، فيما نحن متجهون إليه، فهل تنتصر المشاعر على صراع العقل ومبرراته، أم نعيش حالة من الازدواجية، بين ما نريد وما يفرضه الآخرون علينا؟!
يجبرك فيلم «ازدواجية» Duplicity على اعتزال الكثير من التصورات المسبقة عن السينما كما رأيتها مراراً، ويأخذك من تلابيب وجدانك، ليضعك في حالة من التواصل مع ما تراه، سواء كنت معه أو ضده، سببها الرئيسي ذلك القدر الهائل من سرعة إيقاع المعلومات وكثرتها وتشابكها، ووجود نجمين بحجم جوليا روبرتس وكلايف أوين وما يقدمانه من مشاعر عاطفية، تخلق هذا الاجتياح المبهج الذي يصنعه الفيلم لعقلك وأحاسيسك.هذا الفيلم يشكل عودة للممثلة الأميركية جوليا روبرتس، بعد سنوات من التوقف عن لعب أدوار في الإنتاجيات الهوليودية الكبيرة. ومن المعروف أنها لم تقدم أدوار بطولة، منذ أن شاركت في فيلم Closure مع كلايف أوين أيضاً قبل خمس سنوات، حيث اقتصرت أدوارها على مشاركات ثانوية، كان أهمها ما قدمته في فيلمي Ocean's Twelve وCharlie Wilson's War.
ولقد اشتهرت بالأدوار الهامة التي لعبتها في أفلام رومانسية بارزة من قبل، مثل فيلم «امرأة جميلة» وفيلم Notting Hill وفيلم Runaway Bride إضافة إلى أفلام أخرى درامية على غرار فيلمErin Brockovich والذي فازت عنه بجائزة أوسكار أفضل ممثلة، وهي أيضا التي جعلت الاستوديوهات السينمائية في هوليوود تكسب مئات الملايين من الدولارات نظراً إلى نجوميتها الطاغية، وشهرتها داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها.
تدور أحداث فيلم «ازدواجية» حول قصة موظفة سابقة في المخابرات الأميركية، وموظف سابق أيضاً من المخابرات البريطانية، يتركان العمل المخابراتي ويتجهان إلي عالم الجاسوسية الخاصة، حيث يكلفان عن طريق شركتين عالميتين متنافستين للحصول على تركيبة منتج جديد مهم جداً لكل من الشركتين.
وتبدأ مشاهد الفيلم حين يلتقي كل من «كلير شتينويك ـ روبرتس » و «راي كوفال ـ أوين» في دبي خلال حفل للقنصلية الأميركية عام 2003، حيث تبدو علامات الإعجاب واضحة بينهما، وتنتهي الأمور بعلاقة عابرة، تكون بداية لتاريخ مشحون بالعواطف والإثارة.
وبعد مرور بضع سنوات، يلتقي كل منهما في ولاية نيويورك الأميركية، ولكن هذه المرة، يعمل كل منهما في واحدة من أكبر شركات الأدوية في الولايات المتحدة، ويخططان سوية للتجسس على الشركتين للحصول على وصفة كيميائية مربحة لإنبات الشعر التالف، قد تؤمن لهما مستقبلهما الذي خططا له، وهكذا يتمحور خط الفيلم بشكل أساسي على الحيل والألغاز المثيرة، المقدمة بشكل ذكي.
وتتميز كل من شخصية كلير وراي في الفيلم بالقوة وحب السيطرة، التي تكون المحرك الأساسي لعلاقتهما المليئة بألاعيب ومواقف شيقة، تفقدهما الثقة في بعضهما البعض.
وتعكس أحداث الفيلم أيضاً الأوضاع المالية والاقتصادية الصعبة الآن، ومشاعر الغضب والسخط على كبار رجال الأعمال والمال والمصارف، التي يحملها المواطنون الأميركيون العاديون مسؤولية الكساد الاقتصادي والأزمة المالية في العالم حالياً.
ورغم أن الفيلم رومانسي وكوميدي، فإنه يقدم تلك الشركات في مظهر العالم الخفي الغامض، والمليء بالسواد والقتامة والتجاوزات، حيث يصور أصحاب هذه الشركات على أنهم أثرياء ولصوص لا يملكون أية مبادئ أخلاقية، لذلك فهم لا يترددون في وضع أيديهم على أي شيء يعترض سبيلهم.
يقدم المخرج توني غيلوري في هذا الفيلم مزجاً بين الإثارة التي قدمها فيلم Ocean's Eleven، والمشاهد الغرامية الجميلة والمثيرة التي قدمها فيلمه السابق The Thomas Crown Affair.
ويعتبر الفيلم الجديد للمخرج غيلوري قفزة ملحوظة عن نمط الأفلام، التي اعتاد أن يقوم بإخراجها، مثل فيلمه الأول «مايكل كلايتون»، من بطولة جورج كلوني والبريطاني توم ويلكينسون الذي يشارك أيضاً في فيلم «ازدواجية» بدور الرجل الذي يمتلك الوصفة الطبية.
ومما لا شك فيه أن أوين قد أثبت لياقته للدور، بعد أن أظهر انسجاماً واضحاً مع الممثلة روبرتس، حيث قدما في مقدرة فائقة شخصيتين لم يثقا أبدا ببعضهما، لكنهما معاً في القارب نفسه.
وهما يعرفان بأنهما إن لم يجدا حبهما المتبادل، فإنهما لن يستطيعا أبداً أن يجداه لدى أي شخص آخر غيرهما. خلاصة القول، إن هذا الفيلم، متعة بصرية وذهنية، تشكل شحنة متفجرة من المشاعر والفكر الإنساني الذي يرفض العنف والخديعة وفقدان الثقة.
دبي ـ أسامة عسل

