بين آلاف البشر تجدواحدا لايزال أسيرا للجمال، رافضا طوفان الرتوش الصناعية الذي بات يغلف كل جديد، لكنه أبعد ما يكون عن الروح والذائقة الفنية التي تربى عليها أسلافنا، فلم تخل بيوتهم من تحف ذات طابع فني أصيل يعزز الأصالة والذوق الرفيع.. من بين هؤلاء كان سعيد محمود حمدي عاشقا مصريا حتى النخاع للتحف والأنتيكات القديمة، لذلك وعلى الرغم من أن سنوات عمره لم تتجاوز الخامسة والخمسين، فإنه انخرط طوال ثلاثين عاما في هواية جمع واقتناء أندر التحف.. أعطاها كل وقته واهتمامه، لذا لم يكن غريبا أن يتفرد بين مئات الآلاف من البشر الذين انخدعوا برتوش العصرنة.

على مدى 30 عامًا لم تعمل في مجال تخصصك إنما ظللت أسيرًا لهواية جمع التحف والأنتيكات.. فما جذور هذه الهواية لديك؟ لقد نشأت في أسرة تقدر الجمال والذوق الرفيع في شتى صوره، ولا تنخدع كثيرًا بالمستحدثات العصرية التي تفتقر كثيرا إلى جمال أسلافنا، فلم يكن غريبا أن أنشئ محبا لذلك الجمال، أسيرا له، وفور تخرجي في الجامعة في البداية تخصصت في جمع الأنتيكات خاصة الفرنسية لأنها تتميز بذوق فني رفيع، مثل الرسومات الزيتية القديمة، خاصة أنني كنت أتمنى أن التحق بكلية الفنون الجميلة، لكن الحظ لم يحالفني في ذلك، وكنت كلما حصلت على تحفة أو بورتريه ازددت حماسا لجمع المزيد، فجمعت كثيرا من التحف القديمة من داخل مصر..

وحينما أتيحت لي الفرصة للسفر إلى العديد من الدول الأجنبية خاصة فرنسا وإنجلترا اكتسبت خبرة واسعة في هذا المجال، لاسيما أنني كنت أمتلك مترًا في إنجلترا متخصصًا في التحف القديمة فقط، وحينما وجدت شغفًا واسعًا على هذه التحف امتزجت الهواية بالتجارة، لاسيما أن هذه التحف تنوعت بين بورتريهات لكبار الفنانين، ومجسمات الطيور، وآلات موسيقية نادرة، لاسيما العود.

لكن نلحظ كمًا كبيرًا من التحف خاصا بآلات موسيقية قديمة.. هل يعني ذلك أنها تحتل مكانة متميزة لديك؟

كل تحفة قديمة تحتل مكانًا متميزًا في قلبي وتفكيري، لكنني بالفعل أتمتع بحس فني يعشق الطرب الأصيل، لذلك تجديني متيمًا باقتناء قديم الآلات الموسيقية، فتجد لدي العديد من آلات العود القديمة المتميزة كتلك التي كان يمتلكها الفنان فريد الأطرش، كما أحتفظ بالعديد من آلات الأورج، البيانو، يرجع عمر بعضها إلى أكثر من مئة عام، وهي مصنوعة من خشب الأبنوس والجوزترك. ومن بين التحف التي امتلكها ساعات قديمة بأشكال متنوعة سواء لليد ام الجيب تصل الى مايقرب 15 ساعة نادرة وأحرص على أن أرتدي كل واحدة منها لفترة من الزمن فور شرائي لها، اعتزازا بقيمتها الأثرية .

ما أحب التحف التي تقتنيها إلى قلبك؟

من أجمل التحف التي أمتلكها وسط مجموعتي «خاتم» من الفضة به فص فيروز، من يراه يشعر أنه خاتم تقليدي، لكن عندما تدقق النظر في فص الفيروز ستجد مكتوبا عليه اسم «محمد»، وما يميزه ايضا أن كلمة محمد مكونة من عروق الفيروز، وليست مصممة من قبل الصانع، واكتشفت أنا وبعض الخبراء بأن ذلك شيء طبيعي من عند الله، ولم ألتفت إلى هذه الميزة إلا بعد فترة طويلة جدا من الزمن، وحاول كثيرون إغرائي بالمال كي أبيعه لهم، خاصة «البدويين»، لكني رفضت بإصرار، ومنذ ذلك لم أخرجه من أصبعي نهائيا، وهو من أعز التحف إلى قلبي.

نلاحظ أن هناك مجموعة من السبح بين تحفك؟

بالفعل، لدي مجموعة نادرة من السبح، يصل عددها إلى 60 سبحة من المستكة والفيروز والكوك والكهرمان، وهي أغلى أنواع السبح، والتي ازدادت العلاقة بيني وبينها خاصة بعد أن ورثت عن والدتي ووالدي نوعين من السبح النادرة - قد صنعهما والدي وأهدي واحدة منهما إلى والدتي - واحدة خاصة به، وواحدة خاصة بوالدتي مصنوعة من الكهرمان ومطعمة بالذهب الخالص، وأيضا «الشرشوبة» كانت من اللولي الحر، وتقدر الآن بمبالغ طائلة، لكني لا أستطيع الاستغاء عنها لأنها تراث سوف أورثه كما ورثته.

اللافت أن من بين مجموعة المقتنيات التي تحتفظ بها بعض الثياب التي تحمل عبق الزمن الجميل. هذا صحيح، فمن الأشياء الغريبة التي امتلكتها «ملابس قديمة» كانت تميز فئات المجتمع، وتتعدد بتنوع الشعوب، فكان لكل شعب زي تقليدي وزي رسمي، فالزي الرسمي هو الذي يرتديه الرجال والنساء داخل القصور، وكان معظمه من الحرير والفساتين الواسعة، وأجمل ما يميز هذه الأزياء أنه كان يدخل في صناعتها خيوط من الذهب والفضة، وهو ما يسمى «السرمان» لأن الذهب والفضة كانت من المعادن الرخيصة آنذاك، ولذلك كانوا يدخلوها بكثرة في فترة أجدادنا.

لكن.. كيف تحافظ على كل هذه الأشياء والتحف من عوامل الجو؟

لكل نوعية من التحف طريقة للحفظ مناسبة لها، فمثلا الأزياء أضعها في أدراج من البلاستيك.

تابلوهات

لدي مجموعة من الراديوهات القديمة جدا ، من نوعية «تليفونكن»، وكذلك تابلوهات قديمة جدا، خاصة الزيتية المرسومة على القماش فقط، وهذا جعلني أرسم العديد من اللوحات بالأسلوب القديم، وقد وصل عددها إلى 20 تابلوها حتى الآن. وسط هذه التحف جمعت كثيرا من الأقلام النادرة يصل عددها إلى 50 قلما، خاصة بي، تعددت أشكالها وألوانها وماركاتها، ولا تخلو جميعها من الإبداع، مثل الأقلام التي تتضمن ولاعات في رأس القلم، أو شكل ساعة.

أقدم للهواة المبتدئين نصيحة واحدة وهي القراءة عن الشيء الذي يستهويهم، والاستعانة بالمعرفة الدائمة، والاستفادة من أهل الخبرة.. ، واخيرا الصبر الطويل في البحث عن المجال الذي يهوونه. أطرف موقف حدث معي حينما زارتني أسرة تريد مني أن أقدر ثروت أبيهم، لأن كل الثروة كانت عبارة عن تابلوهات قديمة، ومعظمها كانت من عندي، وبالفعل كانت ثروة لأن والدهم كان يمتلك المئات من التابلوهات.