رغم رحيل المطرب المصري العربي عبد الحليم حافظ قبل 32 عاما فإنه يظل أسطورة الغناء والحب.. وعاما بعد عام تأكد أن عبد الحليم لم يكن مجرد مطرب محترف أو موسيقي موهوب أو سياسي بارع أو صوت مبدع.. أو مؤسسة مستقلة.. وإنما هو ساحر يملك كل هذه الاشياء في عباءة واحدة.

الشاعر عبد الرحمن الابنودي كان من أكثر المقربين إلى قلب وعقل العندليب وغنى له عبد الحليم حافظ أغاني وطنية وعاطفية منها «احلف بسماها وبترابها، ويا بركان الغضب، وبالدم، وراية العرب والمسيح، وعدى النهار، وصباح الخير ياسينا، وانا كل ما اقول التوبة، والهوى هوايا، واحضان الحبايب».سألنا الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي لماذا استمر عبد الحليم في زمن الشركات الضخمة ومئات الفضائيات الغنائية؟يقول الأبنودي: لأن بين عبد الحليم حافظ وبين الضمير المصري والعربى نوعا من الصلة الحميمة جدا فهو ابن مناخاته السياسية والوطنية.. ولأن هذه المناخات اختفت في عواصف وزوابع السياسات العالمية والعربية، فإنه صار يجسد الحنين إلى ذلك الزمن الذي يبدو كالحلم، والحنين كما نعلم ينتقل من جيل إلى جيل خاصة أن الظروف الحالية صادقة في ميلاد مطربيها الذين يملأون ساحاتها اليوم، لكن بين الناس وبين الغناء ما يشبه الحد الفاصل السميك والحاد..

وكأن الأجيال الحديثة من المغنين هي التي تشجع المستمعين والمواطنين على النكوص والارتداد إلى زمن عبد الحليم حافظ.. ان الحنين إلى عبد الحليم ليس هو ـ دائما ـ الحنين إلى صوته بقدر ما هو حنين إلى زمنه.

وأضاف: من السهل ان تر مطربين جيدين لكنهم لا يلخصون زمنا وتجربة بقدر ما يلعبون على فكرة البيع والشراء ويعلمون أنهم بضاعة استهلاكية في سوق هامشية.

ولكن هذا الحنين إلى زمن العندليب لا يلغي فكرة أن صوت عبد الحليم فيه شيء منا.. وأنه صوت لا يبالغ في الغناء.. ولا يبالغ في عدم القدرة. وإنما هو بالضبط يعكس معنى الكلمات ولذلك كان يتدخل في الألحان ويسيرها حسب رؤيته.

لم يكن زمن عبد الحليم زمن بيع وشراء وإنما كان عبد الحليم مواطنا مثلنا تماما يناضل مع شعبه ضد كل ما يعوق تقدمه.. وليس صحيحا انه كان مطرب السلطة.. وإنما كان مطرب شعب يمتلئ إحساسا بالوطنية.. ويحلم شديدا بالغد ويحاول صنع مستقبل أخذه معه ورحل. ـ

لكن لماذا لم يلحن عبد الحليم لنفسه؟

التلحين قدرات وموهبة.. وكما أجبر التلحين محمد الموجي وكمال الطويل على التخلي عن فكرة الغناء.. كان عبد الحليم يعرف أماكن موهبته.. ولم يكن راغبا في ان يجرب ليفشل وحين تحدق جيدا تجد أن عود الموجي تشكل بملامح عبد الحليم، وغناء الطويل عل مقاسات صوت عبد الحليم، وهو استطاع بذكائه النادر ان يسوق الجميع إلى هدف كان يعرف حتى ولو كان ذلك بصورة مبهمة.

وماذا عن حقيقة تحول بعض أغاني حليم نشيداً قومياً للعاشقين ؟

ـ يقول الابنودي: عل كل حال.. كان الحب أيامها يغاير في التعبير حب هذه الأيام، ذو الملامح التجارية، فمن النادر أن تجد لعبد الحليم أغنية تهاجم الحبيب، تلك الظاهرة التي تفشت بضراوة في غناء مطربي المجتمع الاستهلاكي، فمطربو هذه الأيام يتشاجرون على إرث، أما الغناء في زماننا فكان سباقا من أجل إثبات أن كلا منا يحب الآخر بصورة أكبر وأفضل. وذلك نتج من أن بلادنا أيامها كانت تخوض معارك ضد الصهيونية والاستعمار وكان الجهاد فرضا.. وكل منا عل استعداد ان يفتدي الآخر، وانعكس هذا في الغناء بصورة واضحة وهناك قول قديم مفاده: إذا أردت أن تتعرف إلى شعب فاستمع إلى أغنياته.

إلى متى يستمر عبد الحليم أسطورة الغناء والحب؟

ـ هذا سؤال تصعب الإجابة عنه وإن كانت واضحة.. وأقول إلى حين تتغير ملامح أيامنا وتصبح أكثر إنسانية، وتصبح مليئة بالتفاؤل والأمل الحقيقي، سوف يخرج من بين ظهرانينا أمثال هؤلاء العظماء الذين كانوا في حياتنا، وليس عبد الحليم حافظ فقط، وما دام الحال على ما هو عليه فلا تنتظر إلا أن تلمح بعض الأغنيات الجيدة في وسط هذا الكم المتراكم من البضاعة التي تشبه ريم البحر ماء تعتلي الماء حتى تختفي.

دبي: رشا عبد المنعم