مع صعود نجم الدراما السورية في التسعينات، كان جيل كامل من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، قد بات مستعداً للتصدي لأدوار البطولة في المسلسلات السورية، وتلبية متطلبات التنوع الذي فرضه التصاعد التدريجي لعدد تلك الأعمال، والتي وصلت حد إنتاج أكثر من خمسة وأربعين عملاً في الموسم الدرامي الواحد.

في هذا الوقت، كان جيل من الممثلين المخضرمين، ممن تجاوز تاريخه الفني ربع قرن ما زال قادراً على العطاء، ومن بينه بطبيعة الحال نجمات الدراما السورية في السبعينات والثمانينات: منى واصف، وهالة شوكت، وصباح الجزائري، ونجاح حفيظ، ونبيلة النابلسي، ونادين، وسلمى المصري، وضحى الدبس.. وقد بلغن من العمر ما يستوجب عليهن أن يغادرن أدوار الفتاة الشابة العاشقة، وسواها نحو أدوار الأمهات.إلا أن نجمات السبعينات والثمانينات اللواتي ارتضين بتقديم أدوار الأمهات، هن اليوم في قمة عطائهن الفني وحرفيته، على نحو كان من الصعب على الدراما السورية أن تسقطهن من حسابات البناء الدرامي لأي حكاية تقدمها.

هكذا، بقصد أو دون قصد، حجزت نصوص الدراما السورية لممثلات الجيل القديم أدواراً رئيسية، وأعطت المرأة-الأم حقها، ورغم أن أدوار الأم كانت غالباً أبعد ما تكون عن أدوار البطولة المطلقة، إلا أن مكتبة الدراما السورية ضمت أعمالاً عديدة، كانت الأم عمودها الفقري كمسلسل الحلقات المنفصلة أمهات ومسلسلي أمهات وآباء والحوت.ومع انشغال الدراما السورية الاجتماعية، خلافاً للدراما المصرية والخليجية، بالقضايا الكبرى وبطرح إشكاليات مجتمعية كبيرة، كان من الطبيعي أن يكون لقضايا المرأة- الأم حصة منها.

فقدمت الأم في عدد كبير من تلك الأعمال بصورة ايجابية وفاعلة مختلفة، حملت معها أدوار الأمهات من الإغراء الكافي، لدفع الكثيرات للتفكير بتقديم دور الأم في الدراما السورية، ومنهن فنانات شابات مثل سلاف فواخرجي، وكاريس بشار، وسوزان نجم الدين ونورمان أسعد..، وقد شجعهن على تقديم أدوار الأم نماذج لأمهات صغيرات قدمتها الأعمال الدرامية السورية بتنوع جيد.

إلا أن إقدام كثير من الممثلات الشابات، لتقديم أدوار الأم بدا طارئاً، مأخوذاً بطبيعة شخصية الأم في النص الدرامي ومساحتها على الورق، في حين أخلصت ممثلات الجيل القديم لدور الأم، مهما كانت مساحته في المسلسل، واستطاع عدد منهن تكريس أسمائهن كأمهات للفنانين في الدراما السورية.

ولاشيء أكثر من الكاميرا، كان قادراً على اكتشاف مقدرات هالة شوكت الفنية، ولاسيما في سنواتها الأخيرة، حيث قدمت واحداً من أجمل أدوارها وأشهرها في مسلسل المخرج بسام الملا الخوالي، بشخصية أم نصار، فضلاً عن شخصية أم المعلم عمر في ليالي الصالحية قبل أن تنهي تجربتها الفنية بدور الام أيضا في كسر الخواطر.

وبدت أدوار الأمومة التي أدتها الراحلة هالة شوكت في معظمها ذات نمط درامي واحد، فهي الأم الحنون، المشغول بالها دوماً على أولادها، وهي حيناً مغلوباً على أمرها، حيناً ثكلى بولد غائب، ونادراً ما قدمت هالة شوكت دور المرأة - الأم القوية.

وفي السياق ذاته، تأتي الممثلة نبيلة النابلسي التي اشتهرت بتأدية أدوار الأم في الدراما السورية، من دون أن نستطيع الجزم بخط تصاعدي أو حتى ثابت، لطبيعة الأدوار التي قدمتها.

ورغم أن معظها تدور في فلك الأم الحنون أو المعذبة أوالضعيفة أو المطلقة..إلا أنها أبدت في أكثر من مرة نزوعها لتقديم نموذج مختلف من الأمهات، يتجاوز الصورة المعتادة للأم- ربة البيت، نحو أم تنطوي شخصيتها على أبعاد فكرية وإشكالية..فإلى جانب أدوارها في مسلسلات البيئة الشامية ، عرف الجمهور نبيلة النابلسي من خلال مسلسلات الفصول الأربعة، وحور العين'' وأمهات، وليس سراباً، وحتى الساعة لم ترتبط النابلسي بأي من الأعمال الموسم الحالي، لظروفها الصحية.

ولعل مشكلة نبيلة النابلسي الوحيدة، رغم أدائها الرائع، تكمن في أنها باتت مؤطرة بدور الأم ، وهي تقدمه من دون النظر إلى مساحته في النص وفي كونها شخصية رئيسية أم شخصية مساعدة.

أما الفنانة نجاح حفيظ ، وعلى الرغم من إخلاصها لأدوار الأم، إلا أن شخصيتها فطوم حيص بيص، ظلت هي المهيمنة على تاريخها الفني، وساهم في ذلك طبيعة شخصيات الأم التي أدتها لاحقاً في أعمالها. إلا أن مكتبة الدراما السوري تحفظ لها أدوارها في مسلسلات دمشق يا بسمة الحزن ، والبحر أيوب، ورقصة الحبارى، وجذور لا تموت، وقلوب في دوامة..وغيرها الكثير.

من جهتها، اكتفت الفنانة نادين خلال الفترة الأخيرة بدور الأم في معظم أعمالها ، إلا أن رشاقتها وجمالها وحيوتها ساهمت على ما يبدو، في التصاقها بنوعية معينة من الأمهات، حيث غلب على أعمالها شخصية الأم بنت الطبقة المخملية الأرستقراطية، وفق مستويين اثنين في الغالب.. الأم المثقفة الواعية في نساء صغيرات ، وحاجز الصمت، والخط الأحمر.. و الأم المستهترة في أسياد المال.

وتمثل الممثلة ضحى الدبس الوجه الآخر لكل من الفنانتين نادين وسلمى المصري، فخياراتها تبدو مشرعة لتنويع أكثر، رغم أن المخرجين أيضاً أسروا الفنانة دبس في قالب نمطي من أدوار الأم ابنة الطبقة المتوسطة أو الفقيرة، لكن ضحى استطاعت أن تنوع في أدائها هذه الأدوار، منذ مسلسل الوصية ، الذي جسدت فيه دور أم تعمل خياطة في سبيل تربية أولادها وإعالتهم بعد فقدان الزوج، مروراً بأدوارها في أمهات، ورمح النار، ويوم ممطر آخر، وعلى حافة الهاوية.. وانتهاء بمسلسل عصر الجنون.

والمعروف أن قائمة أمهات الدراما السورية طويلة، ومن أبرز الأسماء فيها ثناء دبسي، وسامية الجزائري، وصباح الجزائري، ووفاء موصللي، وانطونيت نجيب، وفادية خطاب، وسمر سامي... وأخريات قدمن نماذج مختلفة للأمومة ، تجاوزت في تجارب العديد منهن الصورة التقليدية للأم في الدراما العربية.

دمشق- ماهر منصور