حين رحلت الفنانة المصرية القديرة أمينة رزق، ودعتها الصحافة العربية بالقول: «غياب أم الشاشة العربية»، إذ ارتبطت فيها ومعها أجمل الأدوار التي قدمت للأم في السينما والتلفزيون.. والمسرح استطراداً. وعندما كانت أمينة رزق تسأل عن هذا الأمر، كانت تجيب ضاحكة: «حرمت من الأمومة في الحياة، كي أجسدها أمام الكاميرا.. لا شيء أعظم من عاطفة الأم، ولا أجمل منها».
وعلى مدار أكثر من ستين عاماً، جسدت الراحلة ما يزيد على خمسين شخصية للأم، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً في ذاكرة الناس بهذا الدور المثالي مع العلم أنها ماتت من دون أن تتزوج، وكل العاطفة التي قدمتها على الشاشة، كانت لرغبتها بأن تكون أماً في يوم من الأيام.. ولاتزال أغنية الفنان القدير محمد منير مطبوعة في ذاكرة الناس وهو يخاطبها أمي الحبيبة أمي الحنون.وهذا ما حصل أيضاً مع الفنانة شادية، التي اعتزلت الفن ودور الأم، ولم ترزق بولد، وهكذا ظلت أمومتها أمام الكاميرا أيضاً، وظل حنانها وأغنيتها «سيد الحبايب» في فيلم «المرأة المجهولة»، هي رسالة الأمومة التي قدمتها للناس، وكل عام تغنى هذه الأغنية في مناسبة عيد الأم لتنفيذها البارع من قبل المطربة القديرة شادية التي تعترف أن دوراً واحداً قدمها أماً مثالية في السينما العربية.
مؤكدة تشرفها بأن تكون أماً لآلاف المحرومين من الأمومة، علماً أنها قدمت في مسرحية «ريا وسكينة» دوراً لافتاً للغاية، حينما تقوم بقتل السيدات اللواتي يتزين بالحلي والمصاغ الذهبية، ودون ان تدري ستقوم بقتل ابنتها للسبب ذاته.وفعلاً تقدم على هذه الخطوة غير الإنسانية، وتندم ندماً شديداً لقتلها ابنتها التي ضاعت منها وهي صغيرة، وكانت هذه المسرحية واحدة من الأعمال الفنية الخالدة التي دلت على موهبة وقدرة احترافية كبيرة، تمتعت بها الفنانة شادية، وقد طالبت عبر الصحافة المصرية ألا يكرهها الناس لقتلها ابنتها، وليتذكروا النماذج الإنسانية المهمة التي قدمتها في السينما.
واستطاعت الدراما العربية أن تقدم أمثلة كثيرة عن ممثلات برعن في تقديم دور الأم، ولكن ليس بالضرورة ان تكون العلاقة مع الأم علاقة سليمة او مثالية، ويبدو أن شخصية الملك فاروق، الدور الذي قدمه الفنان السوري تيم حسن، قد واجه واحدة من المشكلات الكبيرة في أمه، التي جسدت دورها الفنانة وفاء عامر، إذ لم تستطع تلك الأم ان تحقق حضوراً مؤثراً بالإيجاب في حياة فاروق، وظلت تبحث عن حياتها وعن ملذاتها الشخصية مع الكثير من رجال القصر، بعيداً عن عالم ابنها، مسببة له المشكلات ملكاً وابناً.
وتعتبر منى واصف واحدة من الفنانات العربيات اللواتي قدمن دور الأم ببراعة في معظم الأعمال التي قدمتها في المسرح والسينما والتلفزيون، وقد شغلت دور الأم في أكثر من أربعين عملاً درامياً وعملت وفق مستويين الام الصالحة والام السلبية.
ففي مسلسل «ليالي الصالحية» لعبت منى واصف دور الأم السلبية لبسام كوسا، تدفعه لعداء بيت عمه والحصول على نصيبه من الميراث المزيف، وفيه قدمت تصوراً غير تقليدي لدور الأم، وفي مستوى آخر، لفتت الأنظار لدورها اللافت في مسلسل «صراع على الرمال»، كأم غيرت من مجرى الأحداث، عندما تواجه شيخ القبيلة بعدم رغبتها في خسارة أولادها جميعهم، بعد أن فجعت بابنها الصغير بسبب الحرب، ما جعل هذه النقطة محورية في الكف عن الحرب وإيقاف نزيف الدم بين القبائل، وقد أجادت في أداء دور الأم الثكلى.
ولا تخفي منى واصف رغبتها في الوقوف على خشبة المسرح، وأداء دور «الأم شجاعة» الشخصية المسرحية الأثيرة، التي قدمها الكاتب الألماني بريخت في مسرحية تحمل العنوان ذاته، ولمنى واصف ولد وحيد اسمه عمار، ويعيش بعيداً عنها في أميركا منذ نحو ثماني سنوات.
وفي الإمارات، ينادي معظم أهل الفن الفنانة القديرة مريم سلطان بـ «أمنا»، وهي تعتبره وساماً على صدرها فهي حقاً أم للفنانين الإماراتيين تقف إلى جانبهم، وتبادرهم الحب والعطاء، وقلما يلتقيها إبراهيم سالم أو مرعي الحليان أو عمر غباش أو سميرة أحمد، من دون أن يبادروا إلى طبع قبلة على رأسها.
دبي - جمال آدم


