في أميركا تصطبغ كل المفردات بـ «السيسبنس»، وخصوصا في عالم السينما، فإذا لم تحتو الأفلام على درجة عالية من التشويق والإثارة، ممزوجة بجرعة من العنف والرعب، فلا أحد يقبل عليها، إلى درجة أن كبار الممثلين أصحاب الأعمال الراقية تحولوا باتجاه هذه الأفلام، لأن العمل العاطفي أو التاريخي أو الحامل لرسالة إنسانية، لم يعد يثير الجمهور، ولم يعد يحقق الإيرادات الضخمة، كما تفعل أفلام الأكشن، الحافلة بالمطاردات والقتل والمؤثرات البصرية والإلكترونية.

وتختلف آراء وأذواق الناس حيال أفلام التشويق والحركة، التي يفضّل البعض أن يطلق عليها اسم «السيسبنس». وفي إطار إضفاء مزيد من المؤثرات التي تجعل الفرجة أكثر متعة، ابتكرت شركة يابانية منذ سنوات أجهزة تربط المشاهد إلى مقاعد بعض صالات العرض، التي تقدم أفلام «الأكشن» والإثارة.والأجهزة المبتكرة هذه، تجعل كرسي المشاهد يهتز أو يرتجف بالتوتر مع اللقطات العنيفة المعروضة على الشاشة، مثل اصطدام السيارات وانفجارها، أو تهدم بناء أو إطلاق قذيفة من مسدس أو بندقية، ما يزيد في إثارة المتفرج، ويشعره أنه داخل الحدث. ومع استمرار السينما وتطور تقنياتها، كان لأفلام «السيسبنس»، حظ وافر من التطوير كونها من الأصناف المتأثرة بمستوى التقنية والخدع البصرية. ولئن كان الكتاب أو الرواية أو الأسطورة المحكية، تثير في النفس فزعاً متخيلاً، فإن السينما أصبحت تقرب ذلك الفزع بشكل أكبر.

وتوظف لمعايشته عناصر الصورة الظاهرة أو المخفية بالتلاعب بالضوء والظل، وعناصر المؤثرات السمعية والموسيقى التصويرية لصناعة مشاعر الرهبة في نفس المتلقي، الذي يبادلها الوفاء بتفضيل فيلم «سسيبنس» من الدرجة الثانية على ما سواه، ولو كان فيلماً عالي الجودة والإنتاج، ورغم أن النقاد يحكمون على أغلبها بالضعف مضموناً والتكرار شكلاً، يوجد العديد منها والذي يعتبرنه محاولات جيدة ومميزة، تلقى قبولاً نقدياً وجماهيرياً واسع النطاق.ولا يمكن العبور في منطقة أفلام «السيسبنس»، من دون التطرق إلى أكثرها كلاسيكية وشهرة وهو فيلم «سايكو» لمخرج الإثارة الأول الفريد هيتشكوك، ورغم أن هيتشكوك أخرج العديد من الأفلام حول هذه التيمة، إلا أن «سايكو» كان أوفرها حظاً وأقدرها على الخلود في ذاكرة السينما العالمية بموسيقاه الشهيرة وحركة السكين التي لا تخطئها عين متابع لأفلام هذا الصنف من السينما.

أبرز الأعمال

ولعل من أبرز الأعمال تأثراً بهذا النمط وأكثرها نجاحاً، فيلم«الإشراق»للمخرج ستانلي كوبريك، والذي قام ببطولته جاك نيكولسون، مجسداً شخصية كاتب يعيش منعزلاً مع زوجته وابنه في أحد الفنادق، التي تهجر في فصل الشتاء، ويصاب تحت تأثير العزلة بحالة عداء شديدة لزوجته وابنه، نتيجة أحلام يقظة مفزعة تتحكم في مسار تصرفاته.

ويأتي فيلم ''إيليان'' ليضيف لهذه النوعية رصيداً جديداً، ولا تخفى شهرة هذا الاسم على أحد من محبي أو متابعي السينما العالمية، ولكن الذي قد يخفى عليهم، هو أن مخرج هذا العمل هو الانجليزي ريدلي سكوت، مخرج الفيلم التاريخي الملحمي «المصارع» وفيلم «مملكة السماء»، الأمر الذي قد يثير شيئاً من الاستغراب لاتجاهه هذا المنحى.

ويعد فيلم «غرباء» أشهر أفلام «السيسبنس» البصرية التي تناولت المخلوقات الفضائية وهجومها على كوكب الأرض في محاولة لقتل سكانه والاستيلاء عليه. وتميز هذا الفيلم بالبذخ الإنتاجي من حيث الأزياء والديكورات، وتم تصويره على أنه رحلة في مركبة فضائية، أما تصميمات المخلوقات الفضائية المرعبة فكانت ربما فاتحة انطلاق ومثير شهية للعديد من المخرجين بعد ذلك، ليقوموا بإبداع صور متخيلة لكل ما من شأنه إثارة البشرية في أفلامهم اللاحقة.

وانتقالاً من عالم المخلوقات الفضائية إلى مجال آخر من مجالات التشويق، التي تسيطر على البشرية منذ القدم وهو الخوف من الجن، يعد فيلم «طارد الأرواح» علامة من علامات هذه السينما، وهو يقدم قصة فتاة مراهقة تعاني من أعراض التوهان العقلي، يتضح فيما بعد أنها مسّ من الجن.. وتتالت الأفلام التي تناولت ظاهرة المس الشيطاني وقواه المؤذية بعد نجاح هذا الفيلم.

ثم قدم المخرج المخضرم ستيفن سبيلبرغ أحد أهم كلاسيكيات الإثارة في تاريخ السينما من خلال فيلم «الفك المفترس» الذي عد حين عرضه فاتحة عصر أفلام شباك التذاكر، حيث كلف إنتاجه قرابة 12مليون دولار وهو رقم كبير بمعايير أفلام تلك الفترة، ولكنه استردها أضعافاً مضاعفة عبر شباك التذاكر، التي تجاوزت الأربعمائة مليون دولار حول العالم.

أطول سلسلة

وجاء بعد ذلك فيلم «هالويين'' أحد أطول سلاسل أفلام السيسبنس عبر تاريخ السينما، القاتل المتسلسل الذي يهرب من طبيبه ليمارس هوايته المريضة بالقتل. ورغم ما تبدو عليه القصة من نزعة نحو الكلاسيكية، إلا إن قصص القاتل المتسلسل تظل هي القصص الأثيرة، لدى عموم الجمهور والمردود المالي الآمن لمنتجي هذه النوعية من الأفلام.

وهكذا تستمر أفلام السيسبنس التي تحظى بشعبية جارفة، وينضوي تحت عباءتها أفلام مصاصي الدماء وآكلي لحوم البشر، لتمثل وجهاً آخر لهذه النوعية في سينما هوليوود، حيث استعدت دور العرض الأميركية لاستقبال أكثر من فيلمٍ تدور موضوعاتها في هذا الاتجاه، لعل أقربها فيلم «الحجر الصحي رِّفْفَُّيَم» الذي شارك في بطولته كل من جينيفر كاربنتر وستيف هاريس، وعرض في نهاية العام الماضي، وهو ما جعل البعض يتنبأ لعام 2009 بأن يكون موسمًا سينمائيًا ساخنًا، ومثيرا في الوقت ذاته.

ومن الأفلام التي سيشاهدها الجمهور في صالات السينما المحلية ترتيباً من هذا الأسبوع وحتى نهاية مايو المقبل «الجمعة ال13 ئْيلف؟ ُّوم 31ُّو »، «أدفع َِِّّو»، « التحدي منيفَكم»، «سرعة وغضب ئفَُّّ فَل نِّْيَُِّّ 4»، «المدمر شمٍْيَفُُّْ 4»، «ليلة في المتحف خيهوُّ فُّ ُّوم حَِّّمٍِّ 2». ولم تعد سيناريوهات هذه الأعمال تتعلق بوحوش أو مصاصي دماء أو قتلة محترفين.

كما لم يعد أسلوب الإخراج يتعمد إظهار جثث مشوهة أو أبواب متصدعة أو ملاءات متطايرة، بل نجح صنَّاع هذه الأفلام في تقديم رعب أكثر إنسانية، يتعلق بالمخاوف البشرية العادية، هذا بالإضافة إلى تغير جمهور أفلام «السيسبنس»، حيث أصبح الشباب والمراهقين هم الفئة الأكثر إقبالاً عليها، ما دفع صناع هذه السينما إلى مخاطبة هذه الشريحة من الجمهور من خلال جعل أبطال أفلامهم، ينتمون إلى نفس المرحلة العمرية.

دبي - أسامة عسل