في ضاحية من ضواحي البقاع اللبناني الذي يعانق الطبيعة الساحرة؛ تفتحت عيون طفلة اسمها روز على تلال خضراء كالفيروز وأشجار تهيم تحت ظلالها نظرات قروية انتظرت حبيباً طال غيابه، فتحتضن ريشة الرسم وتعطر وجه الكانفاس بعطر الألوان.

وتمضي السنين وتكبر روز وتبقى محفورة في ذاكرتها صور الوجود اللبناني باعتباره كوناً متكاملاً من الجمال لا يخدشه سوى صوت من يتبجح عشقه وهو قاتله، فينال منها المرض مرة تلو أخرى؛ لكنها تنتصر عليه وعلى آلامه وحروبه ضد الجسد بسلاح الفن الذي أعطاها إرادة للحياة أكبر من أي شيء آخر، وكان الرسم خشبة خلاصها، إنها الفنانة اللبنانية روز الحسيني، وهذه حكايتها نرويها لعشاق الحياة والفن والجمال:

كانت المنطقة التي قضيتُ فيها طفولتي منطقة قروية بسيطة ترغم المرء على التأمل بالجمال والوجود، ورغم نشوئي في بيت من طبقة مثقفة وميسورة إلى حد ما؛ إلا أنني كنتُ أهوى مخالطة القرويين البسطاء وكانت حياتهم وتقاليدهم تجذبني لحد قضاء ساعات طويلة بينهم، وكانت أول مرة اكتشف فيها عشقي للرسم، حين طلب مدرس اللغة الفرنسية -وكان فناناً- أن نرسم حول قصائد الشعر الفرنسية ما توحيه لنا من تخيلات وأجواء، وظلت عالقة في مخيلتي لغاية الآن صورة ذلك الرسم البسيط، ليتطور بعد ذلك إلى محاولتي لرسم بورتريهات لبعض المطربين الذين كنتُ أعشق أغانيهم في الزمن الجميل، فرسمت فيروز وعبد الحليم ونجاة وأم كلثوم.

من البقاع-تسترسل روز بسرد حكايتها- تنتقل الأسرة إلى بيروت وكان عمري يومها 10 سنوات، ولعل من المصادفات التي تركت أثراً في منهجي الفني لاحقاً؛ هو تسجيلي بمدرسة مجاورة لأقدم وأهم متحف فني ببيروت يومها «متحف سرسق» الذي كانت تقام فيه عشرات المعارض، وكان لدينا فترة استراحة لساعتين يومياً استغلها بمشاهدة تلك الأعمال الرائعة التي كانت تعرض فيه، كما أني ما زلت أذكر مجاميع الفنانين من شتى الجنسيات الذين كانوا يقفون خارج المتحف على التلة المجاورة له والمطلة على أروع منظر للبحر والجبال والأرز المحيط ببيروت، فكنتُ أجلس إلى جوار أولئك الفنانين الذين جعلوا من تلك المنطقة مرسماً حراً في الهواء الطلق.

لقد حالت توصيات العائلة وعدم رغبتهم بسلوكي الطريق الفني؛ دون دخولي كلية الفنون الجميلة، فاتجهت لدراسة الفلسفة التي أنضجت رؤيتي للوجود وأسهمت في أن أجد عشرات الدروب التي يمكن للإنسان سلوكها في الحياة دون أن يفقد إنسانيته، وبعد أن مرت السنين وأسستُ عائلتي ومنحتهم ما أستطيع، تفرغت لدراسة الفنون الجميلة التي أكملتُ فيها أكاديمياً 4 سنوات قدمتُ بعدها أطروحة بعنوان تأليف اللوحة الفنية، لأنطلق بعدها في مشواري الفني إلى الآن، وأعتقد أن الفنان الحقيقي يمر بجميع مراحل الفن من التصويري والواقعي مروراً بأضواء الإنطباعية والسوريالية.

وهو في مشواره هذا في بحث دائب عن الذات لتكوين أسلوب خاص، وقد كان أول معرض أنجزته عبر الواقعية المؤسلبة وأنا أرى أن المقولات التي روجّت لها الواقعية الاشتراكية منذ مطلع الستينات أثرت سلباً في تكوين الذائقة الفنية للمجتمع الإنساني بصورة عامة والشرقي بصورة خاصة، حيث تلك المقولات الرنانة الرنانة حول رسالة الفن وأن الفن مرآة للمجتمع والقضايا الكبرى وما إلى ذلك توجهت بالفن إلى مسارات غاية في التسطيح.

لقد كنتُ أحلم في بداية حياتي بأن أصبح كاتبة؛ إلا أن التعبير عبر اللون والتكوين والريشة وجدته أكثر نقاءً وأكثر تعبيراً لدي من التعبير الكتابي، ولقد عبّرت عن رفضي لدوامة الخراب التي حدثت أثناء الحرب الأهلية، برسم الطبيعة المجردة، وهو هروب روحي يستخدم الفن كأداة مجردة من كل شيء، أما بدايتي مع التجريد فكانت بعد قراءتي لكتاب باللغة الفرنسية صادر عام 1910م لمؤسس التجريد الحديث الروسي فاسيلي كاندينسكي والكتاب بعنوان الروحانية في الفن، فتأثرت بفلسفته التي تلغي قيود الشيئية والغرضية في الفن وتترك للفنان حرية التحرك بالتكوين واللون والخامة والتقنيات بعيداً عن قوانين الفن القديمة الصارمة.

فتعلمت منه أن الفن يعبر عن كائن لامرئي وغامض يعيش داخل الفنان ولا يمكن التعبير عنه وفق القوانين الصارمة للمدارس الكلاسيكية، وأن ذلك الهارموني والتناغم القادم من وراء الوعي هو الذي يمنح الروح للعمل الفني وليس تجسيد الموضوع بشكل تصويري بحت يمكن الاستعاضة عنه بالكاميرا، فكانت رحلتي مع التجريد الذي أرى فيه عالماً ساحراً لا ينضب إبداعه.

أبوظبي- محمد الأنصاري