لم تعد شركات إنتاج الكاسيت هي الحضن الدافئ الذي يرتمي فيه المطربون ويشعرون فيه بالأمان فلقد انعكست الآية في الآونة الأخيرة وأصبحت كابوساً بالنسبة لهم بعد أن أصبح معظمها يهتم في المقام الأول بالربح، وكذلك أصبح المسؤولون فيها يتدخلون في كل شيء ويفرضون آراءهم على المطربين، مما أدى إلى هجرة نخبة كبيرة من المطربين لهذه الشركات حفاظاً على تاريخهم الفني ورغبة منهم في تقديم الأغنيات التي تناسبهم وتناسب جمهورهم من وجهة نظرهم بكل حرية.
فلا وجود لصلح دائم بين المغنين وشركات الإنتاج. ولا وجود لخلاف دائم، وإنما هو للمصالح أولاً وأخيراً، لكن لماذا يتفق هذا المغني مع هذه الشركة ثم يختلفان فينقلب الأبيض أسود والأسود أبيض في ما كان بينهما؟ ولماذا يقرر بعض النجوم الكبار إنتاج ألبوماتهم بأنفسهم بعيداً من شروط الاحتكار؟ وما هو دور شركة الإنتاج واقعياً في حياة مغني مطلع القرن الجديد في العالم العربي؟يؤكد عدد كبير من المطربين العرب أنهم قرروا الابتعاد عن شركات الإنتاج وبدأوا منذ فترة إصدار ألبوماتهم على نفقتهم الخاصة بعد أن وجدوا تدخلاً كبيراً من هذه الشركات ووضعها شروطاً قاسية على المطربين، وكشف بعض المطربين عن تدخل بعض المسؤولين في هذه الشركات في الأمور الفنية ومواعيد طرح الألبومات وغيرها من الأمور التي تعوق العمل الفني، مستنكرين محاولة هذه الشركات احتكار المطرب بصورة تضره أحياناً وتؤثر على وضعه أمام جمهوره.
ومن هذا المنطلق ينبغي التمييز بين إدارة أعمال مطرب من جهة، وشركة إنتاجه من جهة أخرى، إلا إذا كان المغني نفسه قد أراد ذلك التلازم، وهذا يحصل فقط في حالات نجوم امتلكوا القدرة المادية والمعنوية والإعلامية ورغبوا في تسلُّم المقاليد كلها، مع أن معظم هؤلاء المشاهير وأكثرهم ربما نشاطاً يرون الأنسب لهم في فصل إدارة أعمالهم عن إدارة إنتاج ألبوماتهم مع إبقاء القيادة طبعاً بأيديهم وتحديداً في الاختيارات الغنائية ومشتقاتها...لا تقوم شركة انتاج فني أو غير فني في العالم من دون نظرية ربحية، حتى الفنانون أصحاب المواهب الإبداعية عندما يقررون انتاجاً معيناً يلحظون المستوى الفني جنباً الى جنب مع المستوى التجاري. إنها في النهاية تجارة مشروعة.
ولم يكن موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب مثلاً هاوي خسارة مادية أو مغامراً - مقامراً في تبنّيه عبدالحليم حافظ وإنشائه شركة انتاجية لاحتكاره مطلع حياته الفنية. انه المال المقرون بالمعرفة الفنية يطلق موهبة غنائية رآها عبدالوهاب من البداية كما كانت بالفعل في النهاية. وكان ربحا فنيا وماديا كبيرين...
لم يعد الكلام على شركات انتاج، بالجملة، متاحاً. شركة واحدة وحيدة، وربما الى جانبها شركة ثانية أقل تأثيراً وحضوراً، وربما ثالثة. لكن قطعاً هناك «روتانا» التي تملك حصة الأسد عربياً بين شركات الانتاج.
إنما الغريب أن مبدأ الربح المعتمد في كل تجارة مُلغى أو مؤجل الى ما لا نهاية أو غير أساسي في سياسة العديد من شركات الإنتاج التى تتمتع بالثقل الإعلامي وثقة الجمهور حيث يتلقى نجوم الغناء مبالغ مالية كبيرة تؤمن لهم القدرة على اختيار الأغاني التي يريدون، والتسجيل في أكبر الاستوديوات، وتقديم ذلك الإنتاج للشركة التي تقدمه بدورها في ألبومات وتوزعه في العالم العربي والعالم ككل.
وأما «المردود» فلا يُسأل عنه أحد. هذا ما اتبع لسنوات عدة قبل أن تستفيق شركات بعض تلك الشركات على خسائر جمّة حتمت عليها إعادة النظر في كل شيء تقريباً. فخرج نجوم منها، ودخل آخرون. وباتت الرقابة على الإنتاج أكثر دقة وأكبر اهتماماً بالمردود.
يتفق نجم الغناء مع الشركة عادة عندما تلبى مطالبه سواء في اختيار الأغاني أو في قوة توزيع الألبوم جغرافياً أو في الحملات الدعائية أو في تصوير ما يكفي من الكليبات التي تنشر الأغاني لدى أوسع فئات في المجتمع الكبير. ويختلف مع الشركة في حالين: اما عندما تُضرَب مطالبه عرض الحائط ويشعر بالتجاهل ولا تُصحح الأوضاع لمصلحته، وإما عندما تجد الشركة انها خاسرة معه لأنه لا يستطيع أن يدعم نفسه أو يدعم وجودها في المقابل.
وغالباً ما تنفجر الاتهامات المتبادلة في أسباب الاختلاف والافتراق فيضع كل طرف نفسه في خانة المظلوم والآخر في خانة الظالم وينقلب الود جحيماً بشعاً أحياناً، فينتقل النجم الى شركة انتاج أخرى، أو يعتمد على نفسه انتاجياً، وتعلن الشركة في المقابل انها «ارتاحت» من حِمل إضافي!
بعض نجوم الغناء يرفضون الاحتكار أصلاً ويقاومون مغريات كبيرة حفاظاً على حريتهم الإعلامية. راغب علامة مثلاً اصطدم مع LBC منذ أكثر من عقد ونصف عقد من الزمن بسبب مبدأ الاحتكار الإعلامي الإنتاجي ولا يزال. نانسي عجرم رفضت عبر مدير أعمالها المنتج جيجي لامارا الانتساب الى أي شركة انتاج وبقيت حتى الآن حرة. عاصي الحلاني ترك «روتانا» من دون ضجيج وأكمل متكلاً على قدراته. أصالة واليسا ولطيفة وكاظم الساهر وغيرهم لا يزالون في حمى «روتانا». نوال الزغبي وراغب علامة عاشا مداً وجزراً مع المنتج محسن جابر...
ومن أشهر المطربين الذين خلعوا شركات الإنتاج في الفترة الأخيرة أمير الغناء العربي هاني شاكر، إذ قرر ترك الشركة المنتجة لألبوماته والاعتماد على نفسه في الإنتاج، والحقيقة أن هاني شاكر عاد بألبوم «أحلى الليالي» إلى لونه المفضل والذي يميل إلى الشجن والرومانسية الهادئة.
ورفض هاني في الفترة الماضية التوقيع لأية شركة إنتاج على رغم العروض المغرية التي تنهال عليه وفضل أن يمتلك حرية اختياراته لألبومه وفضل أن يسبح ضد التيار، وأن يحترم تاريخه وفنه وكذلك جمهوره الذي يحبه، وهاني شاكر أسس من قبل شركة إنتاج وأنتج عدة ألبومات متميزة من خلالها.
وبينما أنتج مجد القاسم لنفسه ثلاثة ألبومات كان آخرها ألبومه «يا عالمي» الذي حقق نجاحاً كبيراً في الفترة الماضية، ويقول مجد: إنتاجي لألبوماتي في الفترة الأخيرة لا أعتبره مغامرة على رغم وجود غول اسمه شركات الإنتاج وذلك لأنني والحمد لله لست في أول الطريق ولديّ 21 ألبوماً خلال مسيرتي منذ 15 عاماً، لكني اضطررت للإنتاج لنفسي لأني تعودت في حياتي بكل أشكالها ألا يتحكم فيها أحد سوى رب العالمين والحمد لله أنني صمدت والمبيعات تؤكد ذلك.
أمثلة كثيرة تجد نفسها بين قطاع الإنتاج «الخاص» والقطاع «العام»، وكل بحسب فهمه لحقوقه الفنية وواجباته تجاه الجمهور والإعلام وتجاه تجربته أساساً.
المصالح أولاً. يستقر النجم في شركته الإنتاجية ما دامت تراه كما يرى نفسه. عندما تُغيِّر النظرة، تتغير المواقع. كأنما يقول لها كما ترينني يا شركتي أراك. وكذلك تفعل الشركة عندما يتعلق الأمر بنجم لم يعد يرضيها أو آخر يضع شروطاً لا تناسبها. ويلعب الإغراء المادي المليوني دوراً رئيساً أحياناً في اجتذاب مشاهير غناء لزوم «البريستيج» المهني.
دبي - رشا عبد المنعم


