عمره 77 عاماً، التجاعيد الدقيقة محفورة بدقة في ملامح وجهه، ورغم ذلك لا تزال يداه تعملان بجد ونشاط الشباب؛ لكي تخرج تماثيل عرض الثياب (المانيكان) إلى «فاترينة» العرض، أو واجهات المحلات الزجاجية بدقة متناهية.

صناعة المانيكان حرفة، وصناعة عالمية قديمة، وقد عرفتها المحلات والمتاجر وبيوت الأزياء العالمية في مختلف أنحاء العالم، خاصة الأوروبية منها، منذ بداية القرن العشرين مع عشق الناس الموضة، واهتمامهم بالأزياء والمظهر الجذاب. ومن أوروبا تأخذ المانيكانات طريقها إلى الوطن العربي عن طريق الاستيراد من إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وغيرها، لكنها لا تلبث أن تصبح صناعة عربية بأيدٍ مصرية عن طريق الأسطى حسني فارس، الذي استطاع بأنامل الفنان المحترف أن «يُعّرب» المانيكان، ويجعلها ذات صبغة عربية منذ بداية سنوات الخمسينات، وإلى الآن يعمل الرجل في ورشته الصغيرة بحي بولاق أبو العلا (غرب القاهرة) على بعد أمتار من سوق «وكالة البلح» الشعبي الشهير حاملاً بجدارة لقب «أقدم» صانع مانيكان في مصر، و«أول» من أسس لهذه الصناعة في الوطن العربي.

بدأ الرجل طريقه مع المانيكان منذ أن كان تلميذاً في المرحلة الابتدائية، حيث كانت تستهويه صناعة التماثيل والأشكال بالطين الصلصال، ولحبه ذلك قام بالتوجه إلى النحاتين الراحلين يوسف طاهر ونجله حلمي لينّمي هذه الهواية لديه، ويتتلمذ على أيديهما، ويعرف مبادئ النحت، وقتها تحدى والده للعمل بهذه المهنة، حيث كان مقرئاً للقرآن الكريم، ويرى أن مهنة النحت وصناعة التماثيل حرام، لكنه استطاع أن يقنع والده بحبه لهذا العمل.

ومع هؤلاء النحاتين قام أيضاً بالعمل في ترميم بعض الآثار المصرية الفرعونية، ثم بعمل ديكورات لبعض الأفلام المصرية، ليستطيع الشاب حسني خلال سنوات قليلة أن يتقن صناعة التماثيل وصبّها، ثم يأتي التحول في حياته لتصبح الهواية حرفة، عندما يعرض عليه فنان يدعى يوسف اسحق - الذي كان يعمل في متحف الشمع قبل قيام ثورة يوليو عام 1952- أن ينتج له (مانيكان) بخامات بسيطة يستطيع أن يُقنع بها أصحاب محلات الأزياء الكبرى في مصر في ذلك الوقت لتحل بديلاً عن نظيرتها الأجنبية.

يقول الأسطى حسني: المانيكان في فترة الخمسينات لم يكن معروفاً؛ إلا في محال الخواجات التي كان يمتلكها اليهود، أو يديرها الأجانب بصفة عامة في منطقة وسط البلد مثل «شيكوريل، هانو، أركو، صيدناوي، شملا، بنزايون، عدس وعمر أفندي»، وكانت هذه (المانيكانات) تصنع من الشمع فكانت ثقيلة الوزن لدرجة أنها تتطلب فردين أو ثلاثة لحملها، ومن هنا فكر يوسف اسحق بأن يكون مشروعه إنتاج (مانيكانات) بخامات بسيطة خفيفة الوزن، وغير ثقيلة تضاف إلى الجبس الذي تصنع منه أغلب (المانيكانات) في أوروبا.

بينما يذكر خبراء الموضة أن (المانيكان) كان يستخدمه قدماء المصريين لتصميم الملابس الملكية، ولكن هذا الرأي لم يثبت صحته إلى الآن في المراجع والكتب، لذا يُرجع البعض أن بدء استخدام (المانيكان) كان من خلال القرن السابع عشر عن طريق عرائس الموضة التي يرجع الفضل في انتشارها إلى (روز بارلين) خياطة الملكة (ماري انطوانيت) ملكة فرنسا، وزوجة الملك لويس السادس عشر.

ومع بدء إنتاج الملابس الخارجية الجاهزة في القرن التاسع عشر لم تجد هذه الملابس ترحيباً من الطبقات العليا والأغنياء في المجتمع الأوروبي في ذلك الوقت، وقد تطلب لهذه الطبقة ملابس مختلفة سواء في التصميم، أم في التصنيع حتى تمكنهم من التعبير عن ثرائهم، والتفاخر به، ولهذا لجأ كثيرٌ من الخياطين ذوي المهارات العالية إلى الحصول على (مانيكان) تصنع بأحجام تنطبق على مقاس عملائهم، وبدأ تصنيعها فردياً للعملاء.

وفي العام 1850 انتشرت مؤسسة (كلارك) التي تخصصت في صناعة المانيكان، والتي تقدم منتجات بقياسات متعددة ومبطنة ومغطاة بكسوة تساعد على التدبيس والتشكيل، ومع بداية القرن العشرين ظهر (المانيكان) الخشبي بنصف المقياس الذي ابتكرته مصممة الأزياء «مادلين فيونيه» لتطور عليه تصميماتها من خلال أبعاده الثلاثة.

ثم تطورت صناعة (المانيكان) وتنوعت أشكاله وخاماته، وأصبحت هناك (مانيكانات) تمثل نصف أو ربع المقاس، كذلك مانيكان المرأة الحامل.

أما التطور الذي أحدثه الأسطى حسني فيحكي عنه، وهو يزهو بنفسه: استطعت أن أضيف إلى الجبس خامة الكتان، وبعض المواد الأخرى والسوائل البسيطة في التكلفة والوزن، لتتكون خلطة أو عجينة لزجة أستطيع تشكيلها وفقاً للشكل المرغوب أن يظهر به (المانيكان)، وبالفعل كانت العجينة التي أنتجتها فاتحة الخير علينا، حيث ذاع صيتنا، ووصلت شهرتنا محلات منطقة وسط البلد، حيث أخذت أنا جانب التصنيع للمانيكان؛ بينما يتولى يوسف اسحق الترويج والبيع.

كان حريق القاهرة في بداية عام 1952 نقطة تحول أخرى في الصناعة الناشئة للأسطى حسني وشريكه، حيث احترقت غالبية (المانيكانات) التي كانت في فاترينات العرض في المحلات الكبرى، ومع إعادة (إعمار) هذه المحلات، وعودة حركة البيع والشراء إليها، ازدهرت الحركة في ورشة الشريكين، لدرجة أن سعر (المانيكان) وصل في ذلك الوقت إلى أربعين جنيهاً مصرياً، وهو مبلغ ضخم في تلك الفترة.

ومع نهاية سنوات حقبة الستينات ينفصل الأسطى حسني بصناعته في ورشة خاصة له لتصنيع وصيانة (المانيكان)، واختار لها منطقة بولاق أبو العلا بسبب قربها من منطقة وسط البلد، وخلال هذه الفترة كانت تنتشر ورش متعددة لصناعة (المانيكان)، ولكنه يستمر في تجويد صناعته، وفتح منافذ جديدة لها، حيث بدأ في التنسيق مع منسقي واجهات المحلات الذين يطلق عليهم اسم الفترينست، وقومسيونجية المنطقة (السماسرة) الذين انتشروا خلال نفس الفترة، ومنحهم عمولات لترويج (المانيكان) وصلت إلى 20% من المبيعات حتى يقنعوا أصحاب المحلات الذين يترددون عليهم بشراء (مانيكان) الأسطى حسني، أو يقوم هو بشراء (المانيكانات) المنكسرة منهم، ويقوم بإعادة صيانتها وبيعها.

يلمع اسم الأسطى حسني بسبب تلك الخطوة الدعائية، فبمجرد معرفة أن أنامله هي من حفرت (المانيكان) يكون ذلك كفيلاً بطمأنة أي صاحب محل، كما امتد صيته إلى بيوت عروض الأزياء، والقائمين عليها، لدرجة أن الفنانة المصرية رجاء الجداوي التي تعمل في الأصل بمجال تصميم وعروض الأزياء قد طلبته خصيصاً لعمل (مانيكانات) لها، لتندهش من متانة ودقة تماثيل الأسطى حسني فتطلب منه ست (مانيكانات) دفعة واحدة في بداية تعاملهما، وتتكون بينهما تعاملات وصداقة لسنوات طويلة لدرجة أنها أطلقت عليه اسم «حسني الجداوي».

«مانيكان» يدوي

مع اختفاء الجبس، وظهور البلاستيك «الفيبر جلاس» في صناعة (المانيكان) عالمياً في منتصف السبعينات تحولت هواية الأسطى حسني بدورها إلى هذه الطريقة الجديدة، وتستمر رحلته مع الإبداع بإنتاج (المانيكان) في أحجام وأشكال وألوان متعددة، وتمتد شهرته محلياً وعربياً فيقبل عليه أصحاب محلات الملابس الجاهزة من كل أنحاء الوطن العربي طالبين (مانيكانات) تحمل شعار (صنعت في ورشة حسني فارس)، واستمر هذا الرواج لديه حتى نهاية الثمانينات عندما اهتزت صناعة (المانيكان) اليدوي بعد أن ظهر في أوروبا (المانيكان) المصنع آليا الذي يستخدم فيه التكنولوجيا، لكن ما كان ينشط صناعة الرجل هو تفضيل المحلات المصرية والعربية للمانيكان اليدوي الرخيص نسبياً عن المستورد. أخيراً.. تركنا الرجل أمام أحد مانيكاناته، وهو يتمتم بكلمات لا يسمعها سواها، وكأن لسان حاله يقول «ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب».

فن ونحت

صلاح أبوسيف رشحه للعمل في ديكورات «اليرموك»

علاقة الأسطى حسني بأهل الفن جعلت المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف في العام 1984 يرشحه للعمل معه في ديكورات فيلم (اليرموك)، وسافر معه للعراق لإعداد التماثيل، ولكن الفيلم بحسب قوله لم ينفذ فعاد الى القاهرة، وهنا يستطرد قائلاً: قبلها كنت صنعت تمثالاً للفنانة صباح، وتمثالاً لملاك الحب الصغير ظهرا في فيلم (لحن حبي) بطولة فريد الأطرش وصباح، وبخلاف السينما شاركت بعمل تماثيل في مسلسل (الدنيا لعبة) الذي قامت ببطولته الفنانة نيللي، وأيضاً في مسلسل الأطفال (علي بابا والأربعين حرامي).

وبعيداً عن عالم الفن شارك الأسطى حسني النحات مصطفى نجيب في عمل تمثال للزعيم أحمد عرابي في مدينة الزقازيق، وطلبت منه وزارة الداخلية المصرية تصميم تمثال للراحل محمود فهمي النقراشي باشا، وآخر للقاتل الذي اغتاله، وذلك للعرض أمام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.

هواية

«الهواية».. سر مهنة أتقنها في الكبر

الهواية وتعلم أصول النحت صغيراً سر المهنة أو الحرفة التي أتقنها الأسطى حسني في الكبر، فعندما كان يعجن بيديه (الجبس) كان هذا مؤشراً أن هناك (مانيكانات) مميزة سوف تخلق من أنامله، والتميز هنا يكمن في شيئين الأول ملامح (المانيكان) المتقنة بشدة في كل تفاصيلها وتشريحها مثل تناسق أعضاء الوجه، أو بروز عروق الرقبة، والثاني في حركة (المانيكان) سواء كان واقفاً، أم جالساً، أم راقداً، أم في أيّ وضعية أخرى تحلو لصاحب المحل الذي يعرض لديه التمثال، وأياً كان شكل أو وضع (المانيكان) لا يستطيع الناظر إليه سوى النطق بعبارة «سلمت يداك».

بلغة الخبراء يخبرنا الأسطى حسني عن مبادئ أساسية في المانيكان، قائلا: (رغم تغير الموضة عاماً بعد عام إلا أن (المانيكان) لا يتغير، فحجم (المانيكان) ثابت، وليس له مقاسات، ولا يزيد طوله على 170سنتيمتراً للرجل أو المرأة، بينما يقل في الأطفال، كما أن شكل (المانيكان) واحد في كل دول العالم.