لم يعش الفنان سيف الدين سبيعي في جلباب ابيه فنان الشعب رفيق سبيعي أو معلمه المخرج هيثم حقي، لكن المخرج الشاب بدا مع الأيام أكثر التصاقاً بهما، كلما ابتعد بتجربته الفنية باتجاه صوت يخصه..وهو بذلك يشكل امتدادا لهما لا نسخة عنهما.

خلال العامين الماضيين بدأ سيف الدين سبيعي يلفت الأنظار إليه كمخرج، كان قد قدم مسلسله المثير للجدل الحصرم الشامي وعاد العام الماضي ليقدم الجزء الثاني منه ويعلن عبره وعبر مسلسله الثاني أولاد القيمرية ثورته على الشكل النمطي الذي ظهرت به دراما البيئة الشامية، إلا أن تجربة سيف سبيعي المميزة لم تؤت ثمارها الجماهيرية بسبب عرض أعمالها على نحو حصري على قناة الأوربيت. الحواس الخمس حاورت سيف سبيعي، وسألته عن تجربته الإخراجية وإشكالية عرضها حصرياً على الأوربيت، فضلاً عن علاقته مع أساتذته في الفن وهموم أبناء جيله من المخرجين، فكان الحوار التالي:

قدمت الموسم الماضي ثلاثة أعمال منتجها المنفذ شركة ريل فيلم التي يديرها الفنان هيثم حقي، بداية أسألك، هل أنت الابن المدلل لهيثم حقي، أم تلميذ نجيب للمخرج حقي، أم استثمار ناجح للمنتج حقي..؟ أشعر أنني عند الأستاذ هيثم الحالات الثلاث، فأنا التلميذ النجيب الذي استطعت في مرحلة من مراحل عملي معه أن يعتمد علي وأحمل عنه كتف، ولأني كنت التلميذ النجيب فأنا الابن المدلل، أما مسألة الاستثمار الناجح فأرجو من الله تعالى أن أكون كذلك ...وبكل الأحوال أعتقد أن الأستاذ هيثم هو القادر على الإجابة عن هذا السؤال.

الأعمال الثلاثة الحصرم الشامي، أولاد القيميرية، مطر الربيع جميعها عرضت بشكل حصري على قناة الأوربيت ولكنها على ما يبدو لم تؤت ثمارها المطلوبة..؟ هي لم تؤت ثمارها بسبب سياسة الشركة المنتجة نفسها الأوربيت وليس بسبب عدم قدرة المسلسلات على التسويق، أو لكونها غير مؤهلة لذلك، بدليل أن محطات تلفزيونية كبيرة مثل أبوظبي ودبي وإم بي سي وروتانا خليجية.. سعت لاقتناء هذه الأعمال وعرضها، وعرضت المقابل أسعار كبيرة..إلا أن الشركة المنتجة في النهاية لم تعطها هذه الأعمال.

ألا تتفق معي أن نجوميتك كمخرج تأخرت بسبب ذلك..؟

من دون شك، لو أن مسلسلي الحصرم الشامي وأولاد القيمرية عرضا لكان الوضع اختلف كثيراً بالنسبة لي كمخرج.

لكنك رغم ذلك مستمر في إخراج الجزء الثالث من مسلسل الحصرم الشامي ؟

استمراري مع الحصرم الشامي له علاقة بالمشروع نفسه فهو مشروعي أنا و الكاتب فؤاد حميرة، ومن خلاله نقوم بتوثيق لتاريخ دمشق في القرون الثلاثة الأخيرة، وأنا لن اتركه لأن محطة الأوربيت لا تقوم بتسويقه وبيعه، وسأكمل مشروع الحصرم الشامي حتى لو وضعته لاحقاً في مكتبتي الخاصة...وبكل الأحوال لابد أن يأتي يوم وتباع هذه الأعمال وتعرض، ولكن متى وكيف ..لا أعرف.

أفهم من كلامك أن الحصرم الشامي هو الاستثناء الوحيد في عملك بشكل حصري..؟

نعم هو استثناء، ولن أعيد التجربة لأنني اكتشفت أنها تضر أكثر مما تفيد، تضر المخرج والممثل ولا تفيد إلا المحطة نفسها.

المتابع لأعمالك جميعها يجد أنها تتوزع على مرحلتين الأولى تنتهي مع فسحة سماوية، والثانية تتضمن أعمالك الأخيرة الحصرم الشامي وأولاد القيمرية..لكنني أجد أن ثمة هوة عميقة بين المرحلتين، وكأنك أحدثت انقلاباً على نفسك..؟

أعتقد انك مهما كنت مخرجاً موهوباً فإن لم يكن بين يديك ورق مكتوب بشكل جيد وطاقة إنتاجية قوية، فأنت لن تستطيع أن تقدم مسلسل قوي، مسلسلي فسحة سماوية مشروع هذا حجمه الإنتاجي وكنص، ونحن لا نستطيع أن نحمّله ما لا يستطيع حمله، فذلك سيتحول إلى عبء على المسلسل، ولكن عندما يأتي مسلسل مثل الحصرم الشامي بنص مكتوب بحرفية عالية، وبإنتاج قوي سيتاح لك أن تقدم نفسك...وبالمناسبة أنا أشعر أن المخرج الجيد هو الذي يستطيع أن يختفي خلف أدواته (الكاميرا، الديكور، حركة الممثل..)، وليس المخرج من يمد رأسه في كل لحظة ليقول هاأنذا.

تجاوزت مطب المسلسلات الشامية الأخرى في الحصرم الشامي باعتماد على وثيقة تاريخية هي يوميات البديري والحلاق وحوادث دمشق اليومية، ولكن ماذا عن أولاد القيمرية..؟

أولاد القيمرية يقدم حكايته في ظرف اجتماعي واقتصادي وبشكل علاقات مختلف تماما في أولاد القيمرية لا يوجد زعيم ولا عقيد ولا عضوات الحارة..وهو مشروع مختلف من هذه الناحية، فقد قدم بيئة شامية ولكن ضمن ظرف اجتماعي وتاريخي ومكاني أقرب للحقيقة، وباعتقادي أن أولاد القيمرية هو الشكل الأمثل الذي يجب أن تقدم به البيئة الشامية.

ظلال المخرج هيثم حقي تمتد على إنتاج جيلكم، ولاسيما الدراما الاجتماعية التي تعد لمسلسل منها الآن، ما الجديد الذي قدمته كسيف الدين سبيعي بعيداً عن المخرج حقي..؟

الجديد عن الأستاذ هيثم حقي هو الأسلوب، وهو قراءة المشهد بشكل مختلف ولكن في النهاية المشروع هو نفسه، لأن مشروع هيثم حقي حتى في الدراما الاجتماعية هو مشروع تنويري، له علاقة بالتحديث والتطوير والعمل من أجل مجتمع أفضل.

المشروع العام هو مشروع هيثم حقي منذ البداية ولكن القراءة هي التي تختلف، فأنا لا اعمل كما يعمل الأستاذ حقي، وهو يقول ذلك وكل الذين درسوا عند هيثم حقي هم لا يشبهونه، هم تعلموا منه المشروع العام، ولكنهم لا يمارسون الإخراج بنفس الطريقة التي يمارسها.

هيثم حقي معلم حقيقي، لأنه يشعرك بثقتك بنفسك، وهو أفادني كيف أقرأ المادة التي أقوم بإخراجها وعلمني كيف أقف على أرض صلبة وأن أدخل كل مشروع إخراجي جديد.

بالانتقال إلى محور الأعمال البيئية الشامية، وأنت شاركت فيها، كان من اللافت أن كل من يتصدى لهذه الأعمال، يسوق أحقيته بإخراجها لكونه ابن الشام، لكننا في المحصلة كنا أمام أكثر من شكل للشام..؟

عبارة أنا ابن الشام لا أؤمن بها، فهل لكوني ابن الشام علي أن أعرف كل ما في الشام، لا أنا ولا أبي يعرف كيف كانت الشام، وأرى أن المرء يجب أن يكون منطقياً، فحتى الرجل الذي عمره مئة عام ليس بالضرورة أن يعتمد عليه، فمعرفته بلاشك تأثرت بظروف وعوامل وبالتالي هي لا ترتقي لمصداقية المصادر التاريخية المعتمدة، شخصياً أؤمن بالرجوع إلى الظرف التاريخي والموثق، كما أني لا أؤمن أن كل المسلسلات الشامية تحكي عن دمشق، هذه ليست دمشق، فطبيعة العلاقات الاجتماعية وطبيعة البنية الجغرافية للمكان وتركيبة الشكل التجاري ....جميعها غير صحيح، وما شاهدناه من هذه المسلسلات مجرد حكايات تحكيها الجدة لحفيدها ولكن لا علاقة لها بدمشق لا من قريب ولا من بعيد.

أنا لا ادعي معرفة دمشق لأني دمشقي، وإنما أنا اتكئ على التاريخ والكتب ولأني احرص على تقديم التاريخ كما هو، بحلوه ومره وبقساوته وليونته، عملت مسلسل الحصرم الشامي. وأشعر إن كان علينا أن نقدم التاريخ فيجب أن نقدمه كما هو لأن المجتمعات لا تتطور إلا إذا استطاعت قراءة تاريخها بالشكل الحقيقي.

دمشق- ماهر منصور