كثيرون من الفنانين السوريين، لم يحظوا بأدوار البطولة في مسلسلاتهم، لكنهم حجزوا بأدوارهم الثانوية الكثيرة، أماكن لهم في قائمة نجوم الدراما في بلدهم، في مؤشر واضح إلى أن البطولة الدرامية، لم تزل للنص في كثير من مسلسلاتها، وإن هبت رياح النجم الأوحد عليها.
إلا أن إرجاع نجومية هؤلاء الممثلين إلى بطولة النص وحده، سيبدو ظالماً إذا ما قيس الأمر بموهبتهم وأدائهم التمثيلي المتميز، الذي استطاعوا من خلاله حمل أدوارهم الثانوية، ومزاحمة ممثلي أدوار البطولة على ذاكرة الناس وقلوبهم.. مؤكدين أن النجومية الحقيقية هي في بطولة الأدوار، لا في أدوار البطولة، وربما كان هناك بعض المخرجين من الذين شاركوا في صناعة نجومية الممثل الثاني مثل هيثم حقي وعلاء الدين كوكش وحاتم علي. أسماء كثيرة من ممثلي الدراما السورية، استحقوا لقب نجوم بلا منازع، رغم أنهم ظلوا بعيدين عن أدوار البطولة، ولا يختلف اثنان على أن النجم نضال سيجري يتربع على رأس تلك الأسماء.
نضال سيجري.. رقم المخرجين الصعب... ربما يبدو مثيراً القول ان نضال سيجري كان دائماً رهان المخرجين لتقديم الأدوار المركبة الصعبة، إلا أنه لم يكن في كثير من الأحيان خيارهم لتقديم الأدوار الأولى.. وهو الأمر الذي رده نضال نفسه في حوار سابق معه إلى كوننا نعيش في مطب الشاب الوسيم؛ وأنا لا أتوقع أن أرى صورتي بين صور الممثلين الجذابين، لذلك قرَّرت الذهاب إلى الجهة الأخرى، ويؤكد نضال : لا أعاني من عقدة الأول ولا أحبّ أن أكون الأول، إلا أن كلامه على هذا النحو لا يعني أنه يرفض أدوار البطولة نهائياً، وإنما هو يميل إلى تقديم الشخصيات التي تمتاز برشاقة الحضور وخفته، شخصيات جدلية لا يمكن أن تمر أن تثير المشاهد، وفي الوقت ذاته، تمكن نضال من تقديم الاختلاف الذي ينشده في كل دور يؤديه.
وفق هذه الرؤية، لا يجد نضال سيجري نفسه مأسوراً في الأدوار الثانية، فهو اعتاد أن يصنع حضوره المختلف، من دون أن يبدو مهماً ترتيب ظهور اسمه على الشارة.. ولعل سيجري وجد سبباً إضافياً لقناعته، في ضعف النصوص التلفزيونية التي تعجز عن تقديم دور بطولة بمساحة واسعة، من دون الوقوع في فخ التكرار. بطولة الأدوار تعبير يليق بكثير مما يقدمه نضال سيجري، فهو في الغالب لا يركن إلى الشخصية كما هي مرسومة على الورق، وإنما يعمل على إعادة تشكيلها من جديد، يقول سيجري: في مسلسل الانتظار مثلاً أنا من اقترح الشخصية، وأنا من صنعتها، وما قُدم في مسلسل غزلان في غابة الذئاب، شخصية فاجأت حتى الماكيير، وهي من صنعي أنا.
تمتاز أدوار نضال سيجري بالتنوع، ورغم أن الرجل يبدو طوال العام مشغولا بمشاريعه المسرحية إلا أنه يحرص على الظهور سنوياً في الدراما التلفزيونية، نضال سيجري كان الأبرز بين ممثلي الدراما السورية خلال الموسم الرمضاني الفائت بدوره أسعد في المسلسل الكوميدي ضيعة ضايعة للمخرج الليث حجو، وفي الموسم ذاته قدم الفنان سيجري شخصية إشكالية لسائق فقير ودرويش، يتحول فيما بعد إلى رجل دين، في مسلسل ليل ورجال للمخرج حسين سمير محمود، ولعب في مسلسل الحوت مع المخرج رضوان شاهين دور شخص سكير وعربيد، ولكنه في داخله رجل منكسر ومقهور خلافاً لشكله الخارجي.
عموماً ، لا يمكن القول إن أدوار البطولة بالمطلق، تنأى بنفسها عن نضال سيجري، فقد عرض عليه أكثر من دور، ولكن الرجل كان يبدو دائماً مخلصاً للاختلاف، وهو أمر يبدو أن أدوار البطولة التي طرقت بابه، لم تستطع فعله.
أندريه سكاف..ظلم نفسه أم ظلموه؟
الفنان أندريه سكاف موهبة أخرى تبدو مثيرة للاستغراب، لنتذكر معاً الأدوار التي قدمها سكاف، ولنتساءل بعدها عن السر الذي يبعده عن أدوار البطولة، ليحصره المخرجون بالأدوار الثانية ..
بدأ أندريه سكاف عمله التلفزيوني مع المخرج هيثم حقي في مسلسل هجرة القلوب الى القلوب، ولكن سرعان ما تألق نجمه، ولفت الانتباه إليه من خلال أدوار عديدة، قدمته فناناً يمتلك أدوات تعبير فنية مختلفة..ربما كان أشهرها دوره في مسلسل نهاية رجل شجاع الذي جسد فيه شخصية زلقط، وعرف أندريه من خلاله كممثل تراجيدي من العيار الثقيل، فضلاً عن تجسيده شخصية غليص في مسلسل الانتظار.
وعلى الرغم من تميز سكاف بالأدوار التراجيدية، إلا أنه كرس في الدراما السورية بوصفه «كوميديان» من نوع فريد، فقدم أدواراً عدة لا تقل أهمية عما قدمه في التراجيديا، منها شخصية أحمد في مسلسل عيلة خمس نجوم، و طارق في يوميات مدير عام، وبرهوم في الفصول الأربعة، و أبو وهب في أعقل المجانين، فضلاً عن مشاركته في مسلسل بقعة ضوء بكل أجزائه.
ويرى الكثير من نقاد الدراما أن أندريه سكاف، هو أول من هضم حق نجوميته، قبل أن يهضم حقه الآخرون، الأمر الذي كان مثار دهشة الجميع وتساؤلهم. ويكاد لا يمر حوار مع أندريه إلا ويسأل عن السبب، لكن أندريه في كل مرة يؤكد أنه يعمل حسب الظروف والمتاح، ويقول: أصلّي دائماً على الحاضر.. وأختار ما يناسبني من النصوص والأدوار.
و لا يستبعد أندريه احتمال أن يأتي وقت تسنح له الفرصة ببطولة عمل ما، ولكنه يدرك في الوقت ذاته أن انتظار هذه الفرصة أو التخطيط لها، ربما من شأنه أن يفوت عليه فرصاً عديدة، من دون أن تأتي تلك الفرصة.
ويعتقد أندريه أن كثيرين يأخذون بطولة مطلقة، لكنهم لا يوفقون في الأداء، وعندما تقدم عملاً جيداً يجب أن تكون النتيجة جيدة، بغض النظر عن رقم الدور، ولو بجملة واحدة، وهذا لا يسيء للممثل. ويؤكد سكاف أن ممثلي الأدوار الثانية صنعوا حضورهم اللافت أيضاً.
شكران مرتجى.. طاقة لم يستثمرها أحد
مثلما برع أندريه سكاف في أدوار التراجيديا والكوميديا بالمستوى ذاته، برعت أيضاً الفنانة شكران مرتجى، إلا أن اسمها التصق بالدراما الكوميدية كما كان الحال مع سكاف.
وقياساً بعدد الفنانات السوريات اللواتي يلعبن أدواراً كوميدية، وإمكانيات شكران بينهن، كان من المفترض أن تحظى الفنانة الشابة بفرص البطولة المطلقة، إلا أن شكران ظلت بعيدة عنها، لأسباب غالباً ما ردتها شكران إلى مشكلة تتعلق بطبيعة النصوص الكوميدية وتوزيع الأدوار فيها. ورغم ذلك بدت شكران في كل مرة حجر الرهان، الذي يحمل المسلسل إلى جانب الأبطال فيه، كما حدث في دورها في مسلسل جميل وهناء، أحياناً كانت شكران من دورها الثاني تزاحم أبطال المسلسل، كما فعلت في مسلسل دنيا حين تقاسمت نجومية المسلسل مع النجمة أمل غرفة صاحبة البطولة المطلقة فيه.
ولعل طاقة شكران مرتجى الكوميدية، توازيها طاقة أخرى في الأعمال التراجيدية، إذ تجسد ظهورها التلفزيوني الأول بدور تراجيدي في مسلسل خان الحرير للمخرج هيثم حقي، حيث أدت شخصية فتاة شديدة القبح يعرض عنها الناس من قباحتها، وهو دور اعتبر جريئاً كفاية لممثلة يفترض أنها تضع أقدامها على أولى درجات النجومية، إلا أن الكثيرين أجمعوا على أن أداءها الدور، يبشر بولادة نجمة من طراز مختلف، تتجاوز بموهبتها مسألة الشكل لتكون واحدة من ممثلات قلائل أثبتن حضورهن، في فترة كان الجمال يلعب دوره في مسألة النجومية. إلا أن أكثر الناس تشاؤماً لم يكن يعتقد أن هذه الفتاة سرعان، ما سيتم محاصرتها بالأدوار الثانوية ولن تستطيع رغم حضورها اللافت، أن تقدم دور بطولة مطلقة واحد...ولكن أين المشكلة؟
وأغلب الظن أن شكران مرتجى، اشتغلت على نفسها وأدوارها بالقدر الكافي، لتقنع المخرجين بقدرتها على أداء أدوار البطولة، ولكن شكران أخفقت مراراً في اختيار الدور المناسب، فبدا حضورها العام على سبيل المثال أقل من العادي، رغم أنها شاركت في ثماني مسلسلات.
وبدا الشكل الخارجي لشكران مشكلة لها، وبمعنى أدق مشكلة واجهها المخرجون، الذين عجزوا عن استثماره، كما فعل هيثم حقي في خان الحرير، أو كما ظهرت في مسلسل دنيا أو كما قدمها المثنى صبح في مسلسله على حافة الهاوية بشخصية مركبة- مريضة نفسياً، لئيمة لا تحب حتى نفسها، في وقت كان من الممكن أن يستثمر المخرجون الشكل الخارجي لشكران، في أكثر من لون درامي، كالتاريخي أو مسلسلات الست كوم، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.
دمشق - ماهر منصور



