السيمفونية من الفنون التي لا تحضر إلا ضمن هالة، تشكلت عبر مزيج من الحقب التي رافقت نشوءها، كأحد أعظم صيغ التركيب الموسيقي، وأكثرها عمقاً وأبعدها جدلاً.. من أعالي التجارب التي التقط فيها عباقرة التحويل الإبداعي للمشاعر الإنسانية على تناقضاتها وانسجامها من الأمل والضغينة، الى الحب والخوف، من التحدي والهزيمة الى التحدي مرة أخيرة.

لكنها ظلت هناك في علياء لغة الموسيقى وسلالمها الصاعدة بالأمسيات، الى حيث تنبت للآمال أجنحة، فتمسك بأبجدية التحليق في فضاءات عصية على الحدود. من ميلادها في إيطاليا الى مراهقتها في فرنسا، ثم نضجها في المانيا وروسيا.

وعبر افتراضات فلسفية برؤية شعرية ألفها بيتهوفن، الى شعرية أوغلت في الهرب من الفلسفة لموزارت، الى الحرب بتجلياتها الفجائعية على يدي كارل أورف ، وليس انتهاء بما كتب تشايكوفسكي، وكورساكوف، ورحمانينوف.. وحتى يوهان شتراوس من موسيقى ذات ألانكهة شرقية عربية.

تجارب كثيرة في البلاد العربية تفاوتت في قدمها، لكنها تقاربت في فضاءاتها وجديتها، من بينها أوركسترا عمان السيمفوني في الأردن، التي استهلت آخر أمسياتها بعزف لقامات من الإبداع الموسيقي العالمي من بينها مقطوعة افتتاحية الفاجعة ليوهان برامز، و كونشيرتو تشيللو منفرد للفرنسي كميل سان صان.

والسيمفونية الأربعينية لموزارات وأدت السوبرانو اللبنانية هبة القواس التي عزفت لها الاوركسترا مقطوعة من تأليفها بعنوان طموح أغنيتين من ألحانها : أسرى بقلبي من كلمات الشاعر السعودي عبد العزيز خوجة، و في بلادي شعر ندى انسي الحاج، ثم قدم ينال المصري من كلماته وألحانه وتوزيع موسيقي للمايسترو محمد عثمان صديق أغنية فلسطيني، التي تحاكي جوانب من الصمود الإنساني في قطاع غزة ، وكان أحد منجزات الأوركسترا الأخيرة افتتاح قسم خاص للعلاج بالموسيقى.

الموسيقار العراقي محمد عثمان صديق قائد الأوركسترا والمدير الإداري المساعد ومدرس البيانو في المعهد الوطني للموسيقى قال ل«الحواس الخمس»: إن الأوركسترا تهدف في الأساس الى تقديم سيمفونيات من التراث الموسيقي العالمي.

وكذلك استضافة موسيقيين على درجة عالية من المهارة والشهرة في العالم. ولفت الانتباه الى أن الجمهور العربي قد بدأ يستمزج السيفونيات بشكل أفضل من ذي قبل، سيما وأن الأوركسترا قد بدأت بمشاريع موسيقية تهدف الى أداء الحان عربية معروفة خلال حفلاتها ومن خلال توزيع هارموني.

وحول ما يعتبره الموسيقار صديق منجزاً يذكر لأوركسترا عمان السيمفوني، قال: إن بقاء الأوركسترا التي تأسست عام 88 حتى الآن هو إنجاز بحد ذاته، وذكر أنه شخصياً بدأ تجربته مع الفرقة كمتدرب، وهو الآن يقود الفرقة. وأضاف صديق قائلاً: إن من طبيعة كل فرقة أوركسترا أنها تعتمد في الأساس على خبراء، ليسوا من نفس بلد الفرقة، فالأوركسترا الألمانية مثلا فيها العديد من العازفين اليابانيين، لكن أوركسترا عمان عملت ومن خلال بعثات الى الخارج على تدريب كوادر محلية، هم الآن يشكلون العامود الفقري للفرقة.

وفي رده على سؤال عن أسباب عدم انتاج سيمفونية عربية، واكتفاء فرق الأوركسترا بأداء سيفونيات أجنبية بادرنا صديق بالقول: إن الافتقاد للدعم يعد أبرز العوائق في هذا المجال، وأشار الى أنه على الرغم من ذلك فهناك تجارب تأليف مسيمفوني عربي ومحلي تتمتع بمزايا مهمة جداً وذات قيمة فنية عالية، لكنه حدد أبرز مشكلات عالم السيمفوني بأنه غير ربحي، فهو لايزال فناً أقرب الى النخبوي.

وأشار صديق الى المهرجان الذي يعقد في مصر والمخصص لأداء سيمفونيات لمؤلفين عرب كهبة قواس من لبنان وهيثم سكرية ويوسف خاشو من الأردن. ولفت الانتباه الى أن التأليف الموسيقي يتطلب ثقافة موسيقية عالية، ووعياً ذا أبعاد فلسفية، لأن السيمفوني موسيقى تخاطب العقل خلافاً للموسيقى الحديثة التي نسميها موسيقى الأقدام ، لأنها تعتمد في الأساس على الحراك السريع والهستيري في بعض أنواع الغناء كالبوب مثلاً..

وتحدث صديق عن تأسيس قسم العلاج بالموسيقى، قائلاً: لقد تم افتتاح قسم للعلاج بالموسيقى في المعهد، وهو قسم خاص يقوم بالإشراف عليه خبراء متخصصون من الحاصلين على شهادات عالية في هذا المجال.

وأضاف: قمنا بإرسال مختصين الى مركز الأمل للعلاج من السرطان، وكان لهم دور مشهود في الإسهام بتخفيف عبء الآثار النفسية الناجمة، عن لحظات تعد مصيرية وصعبة يواجهها المرضى، وكان للعلاج بالموسيقى تأثير مباشر على قدراتهم واستجابتهم لحقائق مرضهم، وما ينبغي أن يحدثه من تحول في معنوياتهم.

وكشف صديق عن أن هذا القسم استقطب عدداً كبيراً من الطلاب والخبراء، الذين قدموا الكثير من جلسات العلاج، لا سيما وأن المنطقة التي تمر بتجارب حروب مستمرة وعدوان ومناظر دمار، غالباً ما تعاني من ارتفاع نسبة المصابين بإشكالات نفسية كالقلق والتوتر، وعدم الاستقرار النفسي وانخراط الأشخاص الذين يعانون من إشكالات نفسية بجلسات العلاج الموسيقي، يؤدي حسب النتائج الموثقة الى تغير ملحوظ في فعاليتهم النفسية، وتغير منظورهم لظروفهم.

وأشار صديق الى أن هذا القسم تم تأسيسه بالتعاون مع مؤسسة حَِّّيك يَ ٍم التي تعني بالعربية (الموسيقى في داخلي)، وهي تجربة رائدة ولها آفاقها التي نأمل أن تتطور في المستقبل.

ورداً على سؤال عن مدى الاستفادة التي تحققت للأوركسترا من التعاون مع عازفين غربيين، قال صديق: إن الفائدة كانت كبيرة جداً، فالعازفون يحتاجون الى التعرف عن قرب، على تجارب موسيقية مباشرة من ثقافات ومدارس وانماط أخرى. فخلال العام الماضي تعامل العازفون مع قائدي أوركسترا من ألمانيا وهولندا .

واعتبر صديق أن الاحتكاك بعازفين والتفاعل معهم وليس فقط قادة أوركسترا، يغني تجارب العازفين من أعضاء الفرقة، خصوصا أن تجربة العزف الحي التي تتمتع بها الأوركسترا، تجعل من كل تجربة عزف فناً قائماً بذاته، وتجريباً يختلف عما بعده وقبله، فهي حالة تفاعل مباشر تكون وليدة التجربة ذاتها.

وختم المايسترو محمد عثمان صديق حديثه بالقول: إن الأوركسترا أينما وجدت تظل مشروعاً ثقافياً، لا يبحث عن الجدوى الاقتصادية، وأضاف أن الفرقة تحتاج إلى عدد من العازفين، يتراوح بين الخمسين والمئة عازف، وكلما زاد عدد العازفين زادت جودة الأداء.

وقد تصل موازنة الفرقة الى حدود الـ 35 ألف دينار، وبالنظر لوجود مشكلة دائمة في تأمين عازفين لآلات معينة، تجد أن هناك نقصاً في عازفي الفيولون، مثلا ناهيك عن كون الأوركسترا حساسة بشكل خاص، لموضوع مستوى احتراف العازف لأن أي خلل في عازف واحد سيؤدي الى إرباك الفرقة كلها.

عمان - محمد أبو رحمة