تعرف دمشق أن أحداً لم يغن لها كما فعل الرحابنة، ويعرف الرحابنة أن ما من مدينة أحبتهم ، كما أحبتهم دمشق..وها هي المدينة القديمة، تعود بعد مرور أكثر من نصف قرن من حكاية العشق المتبادل، لتستعيد ذكرى الزمن الجميل- زمن الرحابنة مع عدد الفنانين والإعلاميين، ممن ارتبطوا بعلاقات شخصية مع الأخوين رحباني وعاصروا تجربتهما.
هذه الأمسية التكريمية، التي جاءت تحت عنوان (تحية من سوريا إلى الأخوين الرحباني)، دعت إليها (دار الفنون) بمبادرة من مديرتها رحاب ناصر وهي عبارة عن تجمع ثقافي سوري، يهتم بنشر المشاريع الثقافية ذات السوية العالية، ويهدف احتضان المشاريع الرائدة منها، وهو أيضاً مركز لترويج الثقافة والتراث السوري والعربي.أدار الأمسية التي احتضنت عشاق الرحابنة في مقر الدار الفنان سعد مينة، واستضافت الفنانين إلياس الرحباني و دريد لحام، والإعلاميين رجا شوربجي، جان الكسان، الذين تحدثوا عن تفاصيل حياتية ومهنية في حياة الأخوين الرحباني.
إلياس الرحباني: بورصة محبتنا لم تتأثر بالأسواق العالمية
الفنان إلياس الرحباني افتتح الأمسية التكريمية للرحابنة بكلمة مؤثرة، على نحو كانت مشاركته الاحتفاء السوري بالأخوين رحباني، كان حضور الأخ الثالث إلياس بمثابة تكريم للمحتفين بأخويه منصور وعاصي، واعترف بداية أنه لم يعتد أن يقرأ من ورقة في لقاء مع الجمهور.
لكنه أمام الجمهور السوري، كان عليه أن يعد لكلامه جيداً، لذا كتب ما أراد أن يقوله على ورقة، مفتتحاً حديثه بحلفان اليمين: أحلف بالله العظيم أني لم أسمع أو أقرأ يوماً قصة شعب يحب عائلة، وعائلة تحب شعباً، في إشارة إلى العلاقة الكبيرة التي جمعت الأخوين رحباني بالشعب السوري، تلك العلاقة التي قال إلياس إنها بدأت منذ نحو 55 عاماً، وبورصة هذه المحبة لم تتأثر أبداً بالأسواق العالمية، و لم تنزل المحبة درجة واحدة.. إنها بورصة المحبة المتبادلة بين الشعب السوري والعائلة الرحبانية.
واستذكر إلياس ذكرياته مع أخويه عاصي ومنصور في دمشق ، فقال: كان عمري عشر سنوات عندما كنت أجيء إلى سوريا مع عاصي ومنصور، كانت الأيام تنعم بالصفاء والهدوء وفرح اللبنانيين والسوريين وشعاع الحياة يملأ وجوه الناس، تجمعهم سماء واحدة وقمر واحد، ليالي سهر واحدة، صوت فيروز وموسيقى الرحابنة، لم يكن هناك سوى اللحظات السعيدة.
واستطرد إلياس بحديث ذكرياته عن أبوة عاصي ومنصور له : كنت في الخامسة عندما توفي أبي، فأصبح لي أبوان عاصي ومنصور، أحسست يومها أنني مميز، وعندما بدأ الأخوان رحباني زياراتهما إلى دمشق غالباً ما كنت معهما، وفيها انتابني الشعور ذاته، بأنني مميز بأن لي قمرين وسماءين، فكان الاشتياق كبيراً وفرح اللقاء مشعاً، كنت أعبر السنين وذكريات الأرض السورية تكبر، وتتقطر في ذاكرتي وقلبي مثل الأرض اللبنانية، إنها ظاهرة بينكم وبيننا من الصعب أن تكون هناك ولادة تشبهها.
وذكر إلياس بوقوف السوريين قيادة وشعباً إلى جانبه، عندما غاب عاصي ومنصور، متمنياً إكمال طريق المحبة بينكم وبيننا، وأن نقدم لكم فرحاً وموسيقى تليق بمحبتكم.
دريد لحام: العظماء لا يذكرون إلا بأسمائهم
الفنان دريد لحام تحدث بلغة أقرب للناقد من حديث الذكريات، وقد أعلن بداية أن كثيراً مما قد يقوله لا يختلف عما يعرفه ويدركه الجمهور، مؤكداً أن الحديث عن منصور هو الحديث ذاته عن عاصي والعكس صحيح، لأنهما حالة واحدة، وفي أعمالهم لا نستطيع الجزم، إن كانت هذه الجملة لعاصي وغيرها لمنصور فهما شخص واحد. ودلل دريد على صحة كلامه هذا، بعبارة كان قد سمعها عن منصور عندما رحل عاصي حين قال منصور: رحل نصف عاصي ومنصور، وبقي نصف عاصي ومنصور.
ولفت نجم الكوميديا السورية إلى أنه يتكلم عن منصور وعاصي من دون ألقاب، ومن دون حتى أن يقول المرحومين، لأن العظماء لا يذكرون إلا بأسمائهم. و أكد دريد لحام أن عظمة الرحابنة تكمن في أنهم احترموا الكلمة والأدب والمفردات الشعبية، فإذا سقطت كلمة من قصيدتهم سقطت القصيدة كلها.. والرحابنة حولوا الأغنية من مسموعة إلى أغنية نشعر بها، وقد عبروا عن الإنسان ومكنوناته، وكل ما حوله فغنوا للطبيعة والطيور والحجر.
وعن العلاقة الطويلة التي جمعت بين الرحابنة ودمشق، قال دريد لحام: إن الرحابنة لم يعبروا عن مرحلة زمنية فقط، بل عبروا عن عصر، لذا فهما حالة باقية، بل وأن وهج الرحابنة يزيد يوماً بعد يوم، وكلنا نذكر الاستقبال الحافل لفيروز وزياد في دمشق، لأنهما جانب من الحالة الرحبانية التي تعشقها سوريا عشقاً متجدداً.
وأضاف الفنان لحام وقد جمعته بالأخوين صداقة عميقة : منذ الخمسينات كانت الوردة الفواحة في معرض دمشق الدولي كل سنة، تتمثل بحضور الأخوين الرحباني، فقدما على خشبته 18 عملاً مسرحياً، وكانت دمشق تحظى بهذه المسرحيات قبل أي مدينة في العالم ، وهذا بالطبع، نتيجة طبيعية لتعلق الأخوين رحباني بدمشق وتعلق دمشق بهما.
رجا شوربجي: لم يتركوا ركناً في الموسيقى إلا وأظهروه
الإعلامي السوري رجا شوربجي، وهو ضيف الأمسية التكريمية الأقرب إلى عائلة الرحابنة، وصاحب الرصيد الأكثر من الذكريات معهما، افتتح حديثه عن الأخوين رحباني بالقول: كنت وعاصي ومنصور أصدقاء عمر، وعندما كانا يراسلانني، كانا يكتبان قبل اسمي رفيق العمر، ولكنهما خاناني ورحلا وتركاني.
وقال شوربجي:إن الأخوين رحباني قامات لا تختصر، خسرهما الجميع عندما غابا بالجسد، إلا أن أثرهما باق حتى آلاف السنين، لافتاً إلى أنهما قاما بثورة في عالم الموسيقى، ونجحا فيها فغيرا معالم التاريخ الغنائي، ونبشا الفولكلور وقدماه للناس على طبق من ذهب، ولم يتركا ركناً في الموسيقى، إلا وأظهراه وتناولاه في مؤلفاتهما، وبذلك دخلا التاريخ من أوسع أبوابه.
ثم تكلم شوربجي عن علاقته الشخصية مع عاصي ومنصور وأخلاقهما، وطريقة معاملتهما للناس، مؤكداً أنهما لم يقبلا هدية من أحد إلا الورود ونادراً ما يلبيان دعوة، وإن لبياها يحرصان على ردها بدعوة أخرى.
وعن علاقة الأخوين رحباني بدمشق، قال رجا شوربجي:لقد عشقا دمشق، وما ألفاه ولحناه لهذه المدينة، لم يفعلاه عن عبث، فعشقهما للشام عشق حقيقي، وكشف شوربجي عن أن منصور توفي وهو غير مسرور، لأنه لم يلحن عملاً لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية.
جان ألكسان: حالة متفردة في تاريخ الفن
الصحافي جان الكسان، واحد من الإعلاميين السوريين الذين ارتبطوا بصداقة قوية مع الرحابنة، وهو من القلائل الذين أرخوا لتجربة الرحابنة بدقة، قال في معرض حديثه عن الأخوين رحباني: إن حكاية الرحابنة طويلة، وإذا أراد الإنسان توثيقها يحتاج إلى مجلدات، فقد شكل عصر الرحابنة ثورة حقيقية في عالم الغناء والمسرح، وعندما ظهر الجيل الجديد من الرحابنة قدم شيئاً مختلفاً. وأضاف ألكسان: هذه العائلة حالة متفردة في تاريخ الفن، لأنها رفعت بموسيقاها ومؤلفاتها أذواق الناس من خلال تكامل هذه المؤلفات بصوت فيروز، حتى إن عاصي ومنصور كانا يكملان بعضهما.
فالأول كان ميالاً للأغنيات الشعبية، بينما اتجه منصور للطابع الأوركسترالي، وعاصي كان مع الشعر العامي، بينما عشق منصور الشعر الفصيح. وخلال الأمسية التكريمية، تخللت كلمات الضيوف فواصل غنائية للفنانة اللبنانية مي نصر التي أدت أغنيات من ألحان الرحابنة غنتها فيروز، فغنت بداية بعدنا من يملأ الكروم تحية لروح الرحابنة، ثم تتالت الأغنيات لتختمها بأغنية بيني وبينك يا ها الليل في تحية لملحنها-الحاضر في الأمسية إلياس الرحباني.
دمشق ـ ماهر منصور

