لا شك أن سوء الخدمة في المستشفيات الحكومية في البلدان النامية بما فيها بلداننا العربية، ساهم في انتشار تجارة الأدوية المغشوشة وأمام هبوط مستوى الخدمة الصحية لجأ المرضى ومستهلكو الدواء إلى أي جهة يمكن أن تصف لهم الدواء أو تبيعه لهم بحثا عن الشفاء، وغالى الأطباء في تكلفة الفحص والعلاج وظهر ما يسمى بالطب البديل وكلها أمور وعوامل ساعدت في غش الدواء وتجارته.. الحواس الخمس استطلع آراء عدد من المرضى ومستهلكي الأدوية، ماذا جاء في الحصيلة..

يقول مواطن «مصري»: المستشفيات العامة المصرية ساءت الخدمة فيها وأصبحت تعاني مثل غيرها في بلدان العالم النامي والغربي على حد سواء لكن بشكل أكثر تأثيراً، والمرضى كثيرون والدواء مكلف فأصبح دور المستشفى هو الفحص، لأن الأطباء كثيرون لدرجة أن هناك شكوى من كثرة خريجي الطب.وبعد الفحص يكتب طبيب المستشفى الوصفة ويطلب من المريض شراء العلاج، نفس الأمور في مستشفيات البلدان الأوروبية بل إنه أكثر قسوة فقد عشت في بلد أوروبي نحو خمس سنوات، والمريض هناك يحصل على بعض الأدوية وليس كلها وليست الأدوية المطلوبة، وهناك «الدور» في الحصول على الفحص والعلاج وإجراء الجراحة، وبعض المرضى يحصلون على مواعيد طويلة لمعاودة المستشفى.

لكن ماذا حدث أمام هذه الأمور؟

يقول بعض المتعاملين مع الأطباء والصيدليات والأمراض: الآن غالبية الناس مريضة والواحد يذهب إلى الطبيب مرة بعدها يصف لنفسه الدواء، ويصف الدواء لأي من أقاربه أو أهله أو أصدقائه إذا مر بنفس الحالة المرضية، بل إن المريض يذهب إلى الطبيب مرة وبعد انتهاء العلاج ينتقي نوعاً من الأدوية أعجبه وأراحه من بعض الآلام.

ومنه لنفسه يستمر في تعاطيه، بل ينصح الآخرين بتعاطيه، ومن هنا يلقى كل دواء زبائن في كل وقت، الوضع الأكثر سوءاً موجود في تعاطي الفيتامينات والمنشطات، فمن بين ما يكتبه أطباء الدرجة الثانية دائماً علبة فيتامينات، وأمام حالات سوء التغذية أو إهمال الغذاء فإن المريض بعد أن يشفى يستمر - بقرار من نفسه - في تعاطي هذا الدواء المقوي وينصح الآخرين بتعاطيه.

وشركات الأدوية تشارك هؤلاء المرضى في هذا المسلك، إعلانات الأدوية المقوية في كل مكان في بلداننا وكافة بلدان العالم، في مترو لندن وباريس وباصات برلين الإعلانات عن هذه الحبوب موجودة، بل إن هذه الشركات فطنت إلى أن دواء الشرب لا يلقى القبول عند الناس، فكان مسلكهم أن انتجوا نوعيات هذه العقاقير وعقاقير أخرى في شكل أقراص وكبسولات، مما سهل وأغرى الناس بشرائها ووضعها في جيوبهم وسهولة تعاطيها.

ومن هذا المسلك ظهر عقار «الفياجرا» الذي يحتاج إلى فحص حالة متعاطيه تماماً، لكن لآثاره المطلوبة عند البعض لجأ الكثيرون إلى تعاطيه بدون وصفة طبية، وفي بلداننا الوصفة غير مطلوبة، بل أصبح من سلع التهريب، ولأن العقار خطير فقد حصد الضحايا في جميع بلدان العالم بدون استثناء.

ولم تقف سلوكيات المرضى ومستهلكي الدواء عند هذا الحد، فالأمر كان له وجوه أخرى، فكل مشكلة هناك دائماً من يستثمرها، وكان الوجه الآخر للمشكلة أن لجأ البعض للبحث عن مخرج من مشكلة ارتفاع أجور الأطباء وأسعار الأدوية وظهر ما يسمى ب«الطب البديل» أو الطب الشعبي أو طب الأعشاب، حتى أن بعض محلات العطارة في بلداننا وعواصم بلدان أوروبا نفسها، ظهر فيها شخص يرتدي المعطف الأبيض بما يوحي بأنه طبيب ومختص «وهات يابيع»، والعقاقير والأعشاب على الأرفف من كل نوع ولا تدخل أياً منها وتسأل عن شيء إلا وله أقراص وبعض الأعشاب، و«اغلي في الماء واشرب» ووجد الدواء المغشوش منافذ بيع عديدة، والأهم أنه وجد من يبيع ومن يتعاطى.

وأخيراً.. توفرت عوامل عديدة لظهور وباء غش الأدوية في العالم كله، لكنه أكثر ضرراً وأكثر إيقاعاً بضحاياه في البلدان النامية بما فيها بلداننا العربية، و«الحواس الخمس» يختتم اليوم «حلقات هذا الملف» والنتيجة أنه ثبت من البحث والتحري والتحقيق والحوارات أن «غش الأدوية وتجارة الأدوية المغشوشة وباء موجود» يستلزم لمحاربته تكاتف الجهود الدولية.

بل الأممية أيضاً، فالأمر كما يقولون «جد خطير» فنحن وغيرنا نمرض ونبحث عن الدواء ونأمل في الشفاء بإذن الله، لكن مع وجود المريض وجدت الصيدليات بكثرة ووجد «تجار الآلام» وراجت التجارة وتعددت منافذها وطغى البعض من صيادلة وأطباء وساءت الخدمة في المستشفيات وظهر «الطب البديل» الذي يحتال البعض فيه، والأمل أن ينهض العالم من كبوته.

ورغم أن شعاراً ظهر في العالم بعد حرب الخليج الثانية، عندما تجمعت قوات الدول المتحالفة لطرد القوات العراقية وتحرير الكويت جاء فيه أن مسؤولي العالم يجب أن يعملوا ليسود السلام، وينهضوا لمحاربة «الجهل والفقر والمرض» فإنه شعاراً ما لبث أن خفت الضوء حوله، ودخلت البشرية في الحروب والنزاعات والنزعات، وليس أمام المرضى بل أمام الشعوب جميعا إلا انتظار أن يتنبه العالم لما لحق بالبشرية من دمار وأن يعمل الجميع على التخفيف من الألام وأن نحيا في عالم يتمتع فيه الجميع بالصحة والعافية فالعلم والبحث نعمة تحقيقا لوعد الله الحق «وإذا مرضت فهو يشفين».