لايزال الناس على أمل أن يتنبه العالم لانتشار «وباء غش الأدوية» وضلوع العديد في تجارة الأدوية المغشوشة، قبل أن يستفحل الداء ويستعصي على الحل، فمواجهة بعض الأمراض لايزال مكلفاً وإنتاج أدوية أو عقاقير حاسمة تساعد في الشفاء لايزال بعيدا عن التحقيق، الأمر الذي دفع إلى سلوكيات فاسدة في تعاطي الأدوية، أو قل إنها «مزاحمة» من الأصحاء للمرضى. أضف إلى ذلك ما حدث في العالم كله خاصة بلداننا العربية وغالبية البلدان النامية.

وهو ارتفاع أجور الأطباء حتى أصبح غالبية سكان هذه البلدان غير قادرين على مقابلة الأطباء، عندما يمرضون أو يشعرون بالآلام والأوجاع، مما دفع هؤلاء إلى اللجوء مباشرة لطلب الدواء من الصيدلي، الذي وجد فيه تجار الأدوية المغشوشة منفذاً ووجدوا في الصيدلية (دكاناً وسوقاً) لبيع بضاعتهم المضرة والقاتلة أحياناً.

«الحواس الخمس» تواصل فتح ملف قضية «وباء غش الأدوية» وظهور تجارة الأدوية المغشوشة ، وفي هذه الحلقة نتناول بعض الأسباب التي ساعدت في ظهور هذا الوباء، فلم يأتي هذا الوباء من فراغ وتجار الأدوية المغشوشة لم تنزل عليهم الفكرة من الهواء، لكن كانت هناك أمور وجدوا فيها منفذاً للكسب والعيش مع فرصة كبيرة أن يبقوا بعيدين عن العقاب والجزاء.

في هذه الحلقة نتناول هذه الأمور ومنها: ارتفاع أجور الأطباء وسلوكيات بعضهم وسلوكيات تعاطي الأدوية، خاصة المقويات والمنشطات التي الذي بلغ ذروته مع عقار (الفياجرا) وهبوط مستوى الخدمة في المستشفيات، وظهور تجارة الأعشاب وما أسموه (الطب البديل).

(الحواس الخمس) استطلع آراء عدد من مواطني البلدان العربية المختلفة ماذا قالوا.. بداية وبسبب الظروف الاقتصادية والصحية والظروف البيئية السائدة في العالم، أصبح عدد كبير من الناس في العالم مرضى، إذا دخلت مستشفى أو زرت عيادة طبيب ستقول (لا أحد سليم) والكل مريض، ومما يؤكد ذلك في الكثير من البلدان الأوروبية خاصة المملكة المتحدة.

وبعد أن كان الدواء لا يصرف ولا يباع إلا بـ «وصفة طبيب» مهما كانت بساطته، ظهر (ركن الصيدلية) في محلات السوبر ماركت التي تبيع كل شيء حتى البيض والجبن والبنادورة، وبعد أن كان هذا الركن تحت إشراف اختصاصية تساعد الزبائن في اختيار الأدوية والمسكنات، تركوه مثل ركن المعلبات والأسماك، الأدوية والمسكنات على الرفوف و(اشتروا يا زبائن)..

ارتفعت أجور الأطباء نظير توقيع الكشف الطبي على المرضى ووضع بعض الأطباء أسعارا للكشف، خاصة بالمواطنين في أي دولة، وأسعارا خاصة لأبناء الدول الأخرى وأسعارا خاصة لـ (إعادة الكشف) بعد أن كانت إعادة الكشف مجاناً، وهذا ينطبق على الأطباء الأساتذة والحاصلين على الدكتوراه ورؤساء الأقسام في المستشفيات، والاختصاصيين والاستشاريين وكلها مسميات مكتوبة على روشتات الفحص الخاصة بكل منهم، ووصل سعر توقيع الكشف الطبي عند بعض هؤلاء إلى مئة دولار ومئتي دولار، وهو مبلغ كبير جداً ومرهق لعامة الناس في بلد مثل مصر أو السودان أو سوريا أو بلدان المغرب العربي..

وليست هنا مرتبة تالية لهؤلاء الأطباء أو بمعنى أدق ليست هناك (طبقة وسطى) للأطباء، فيأتي بعدهم مباشرة (عامة الأطباء) وهم في الغالب حاصلين على بكالوريوس الطب فقط، وأعطوا أنفسهم مرتبة ب(الخبرة) وبالفعل منهم من يشتهر في محيط عيادته سواء كانت مدينة أو قرية، ويحوز شهرة نجاحه في علاج بعض الأمراض.

وقديماً كانوا يعالجون كل الأمراض ويصفون الدواء، لكن أمام أخطاء بعضهم (استحى) البعض وتمتعوا بشفافية تمثلت في توقيع الكشف ووصف بعض الأدوية المساعدة بصورة عاجلة، ونصح المريض بالذهاب للاختصاصي، وأجور هؤلاء ليست فيها مقارنة بنوعية الأطباء الأول، فأجورهم تصل إلى ما يعادل أربع أو خمس دولارات، لكن في مقابل من يتمتعون منهم بالشفافية هناك نوعية يؤكد أطباؤها أنهم ناجحون وضالعون في علاج كل الأمراض، وتصل بهم النجاعة إلى حد وصف الدواء لأي مرض وتكون النتيجة أن المريض لا يشفي.

ويضطر إلى الذهاب للاخصائي بعد أن تسوء حالته، ويكون استهلك في الفترة السابقة بعض الأدوية، وهؤلاء الأطباء يلجأون إلى كتابة (روشتة طويلة) مرهقة، لأنهم يعالجون كل الأمراض ويعتقدون أن كتابة روشتة طويلة تضمن تحسن حالة المريض، فالذي لا يفيد غيره يفيد، وتكون النتيجة استهلاك عدد كبير من الأدوية والعقاقير، وهذا يحدث دون تفحص جيد لحالة المريض الشاملة، من ضغط وسكر وأملاح وحساسية تستوجب كلها أن يعرفها الطبيب قبل كتابة الوصفة الطبية.

من حوارات بعض المرضى يتضح أيضاً أنه في مقابل ذلك يطلب - وهذا حقهم لكنهم يبالغون فيه - أطباء المستوى الأول من المريض مختلف أنواع فحوصات الأشعة والرنين والتحاليل، وهي تصبح أموراً مكلفة للمريض، بل إن بعضهم يطلب من المريض الذهاب لمعامل محددة مملوكة لأطباء تربطهم بهم علاقات أو أنهم شركاء في هذه المعامل.

بعض المرضى يقولون وفي أقوالهم بعض الإنصاف ، فهم عاشوا في بلدان أوروبية فترات طويلة، يقولون إن الناس هناك مسجلة في عيادات عامة وهم يزورون المريض وقت ما يريدون، ويقابلون في هذه العيادات أطباء ممارسين عامين، يعطون بعض المسكنات في الحالات البسيطة ويراقبون المرضى، يطلبون منهم عيادتهم على فترات متفاوتة وفي حالات المرض الفعلي.

أو إذا لم يشف المريض في الفترة السابقة يحيلون المريض إلى أخصائي، وأحياناً مستشفى، لكن العيادات الخاصة في هذه البلدان أمر موجع للناس ذوات الدخل المحدود، فتوقيع الكشف وكتابة وصفة طبية أمر مكلف جداً جداً بل انه باهظ التكاليف.

يقول أحد المرضى نحن مادمنا نحكي عن وضعية عامة حول أسباب ظهور (وباء غش الأدوية) وتجارة الأدوية المغشوشة ولا نقصد أن نقارن كما هو الشائع في كثير من الأمور، ما يحدث في بلداننا وبلدان الغرب انتقاداً، فان الأمور متشابهة هنا وهناك وهذا ينقلنا إلى الوضع في المستشفيات وعوامل أخرى.

دبي ـ جمال توفيق السكري