منذ البداية يحيلنا عنوان «قاع المدينة» المسلسل الذي أخرجه سمير حسين وكتب نصه محمد العاص إلى عالم بعينه، بجغرافيا محددة المكان (أحزمة الفقر والأحياء العشوائية)، وما تفرزه هذه الجغرافيا من حالات مادية ونفسية لسكانها، وما يربط هؤلاء بطبيعة الحال مع أهل جغرافيا أخرى- أهل القمة.
إلا أن «قاع المدينة» لا يكتفي بفرز عالمين اثنين (أهل القاع وأهل القمة)، وكشف التضاد بينهما، أو يرصد الصراع بينهما وحسب،على أن ذلك الصراع هو محرك الحدث الدرامي لحكايته، وإنما هو يتعامل بوصفهما عالمين إنسانين أيضاً، عند كل منهما مشكلاته وأزماته وقصصه ،ضمن التركيبة الإنسانية للمجتمع، ولكل منهما فساده وانتصاراته وهزائمه..أيضاً.
سألنا المخرج حسين، فيما إذا كان مهمته الإخراجية على صعيد الصورة أسهل كون فضاء حكايته أي عشوائيات ينطوي على دراما بحد ذاته، فأجاب: «أي عمل له مفرداته وعناصره ومكوناته وبالضرورة يستدعي شكلاً بصرياً يناسب المادة التي يعالجها. وفي الدراما،هذا الموضوع مرتبط بالمصداقية الحقيقية، ولكن هذه المصداقية يجب ألا تكون ارتجالية، وإنما مبنية على أساس معرفي لتتناسب وطبيعة المادة المتناولة، وهذا الشكل يجب أن يكون ضمن منظومة يحكم العمل من البداية إلى النهاية، ويجب ألا يتكرر».
ويرى المخرج حسين أن المشكلة تبدأ دائماً، من أن البعض يركزون دوماً على الحكاية، ولكنهم عند التنفيذ يطبقونها، مهما كان نوعها وشكلها بالطريقة ذاتها، وهو الأمر الذي يحول بيننا وبين تأسيس شكل وبنية درامية تحمل صفة التطور.. ويستطرد قائلاً: « لذا نجد أن كثيرا من الأعمال ارتجالية تعتمد على الحدوتة، لكن العنصر الفني فيها عادي ومكرر ومألوف، وهذ1 له علاقة بالمعرفة والمخزون الثقافي للمخرج».
وعن شراكته مع الكاتب محمد العاص الذي يخوض معه في «قاع المدينة» تجربتهما الثالثة بعد «أسير الانتقام»، و«ليل ورجال»، قال المخرج حسين : «بالنسبة للشراكة مسألة مهمة، ولاسيما عندما تجد أحد وتتوافق معه فكرياً ومعرفياً ولديكما هم واحد، بمعنى أنه سيكون هناك دائماً قابلية لتبادل وجهات نظر، وصولاً إلى صورة نعتقد أنها صورة مثلى لتقديم عمل، وهذه مسألة لا تتوفر عند أي كاتب للأمانة، لذا يعتبر وجود هكذا شراكة مسألة مطمئنة جداً، وتجعلنا قادرين على أن نشكل العمل من أوله إلى آخره».
أيمن زيدان : أقدم شخصية لا تماثل ما قدمته
في موقع التصوير، وأثناء التحضير لمشهده الثاني ، سألنا أيمن زيدان عن خصوصية دوره في العمل فأجاب: « أقدم في المسلسل دور رجل ثري اسمه أبو ماهر، وهو رجل يعاني من عقدة تجاه المرأة، بعد أن مر بتجربة زوجية سيئة جداً، تركت لديه انطباعاً خاصاً، وأعتقد أن هذا النموذج متفرد بهذا البعد، وهذه سمة خاصة به ضمن المنحى الاجتماعي، وفيه نحاول أن نقدم تصوراً أو صيغة درامية لا تماثل مع ما قدمته سابقاً».
ولفت زيدان إلى أن «هذه الشخصية غير قابلة للتعميم، لأنه كان دائماً هناك قراءة درامية طفولية ترى أن كل الأغنياء أشرار أوما شابه، في المسلسل الرجل يعاني من مشكلة نفسية خاصة، وهذا ما أغراني بالدور، حيث يستطيع الممثل الاجتهاد على الشخصية، وتقديم اقتراح مميز لها».
ولم يشأ زيدان الاستطراد في الحديث عن المسلسل وتوقعاته بحظوظه من المشاهدة وقت العرض، وقال:علمتني التجربة أن أتحدث عن العمل الدرامي بعد إنجازه، لأن أي عمل لديه مفاجآت بعد العرض ..وبرأيي نحن بظرف ذائقة غير محسومة، مضيفاً: بكل الأحوال لدينا نوايا طيبة، وأنا أشارك بمشروع إلى حد ما فيه ولاء لأفكاري ومشروعي وقيمي، وأتعامل معه بشكل حقيقي وصادق.
شخصيات عاشقة.. خادعة أو مخدوعة
المسلسل الذي كتب قصته والسيناريو والحوار فيه محمد العاص، وتنتجه مؤسسة عاج للإنتاج والتوزيع الفني يشارك في بطولته نخبة من نجوم الدراما السورية، حيث يؤدي الفنان عبد المنعم عمايري دور (طلال) مدرس مادة الفن التشكيلي في أجدى المدارس، يحلم بأن تنتشله لوحاته التي يرسمها من فقره، لكن فيضان مجارير الصرف الصحي تتلف رسوماته، وتقضي على أحلامه.
وفي هذا الظرف يتعرف على مدرسة الموسيقى روعة (صفاء سلطان)، وهي فتاة وصولية تحاول استغلال طلال، وخصوصاً بعد أن يحصل على حقيبة مليئة بالنقود بطريقة غير مشروعة، وهنا تبدأ حكاية جديدة، حيث يهجر طلال زوجته وولديه، ليتزوج من روعة التي تستغله وتسنفد أمواله ومن ثم تطلقه، ليعود طلال إلى عائلته والحي الفقير الذي خرج منه.
ويؤدي باسم ياخور شخصية جهاد وهو رجل شهم، يدير محل لبيع أدوات البناء، ويعمل عنده شابين هما خالد (نضال سيجري) وطارق (أحمد الأحمد) ، ويتورط جهاد بقتل خالد بغير عمد، ونتيجة لموقف إنساني رائع، فيضطر إلى الهرب، ولكنه سرعان ما يسلم نفسه للعدالة، بعد ولادة طفله الذي يمنحه الأمل بحياة جديدة بعد الخروج من السجن.
ويؤدي الفنان خالد تاجا شخصية أبو ربيع، وهو رجل متقاعد يعيش مع زوجته (منى واصف) وابنتيه الأرملة رهام ، طالبة الجامعة رولا (ديمة قندلفت) التي تعاني من بخل أبيها، وشعور المهانة نتيجة حالة الفقر التي تعيشها. يعيش (أبو ربيع) نزوة مع الشابة المطلقة سمر (صفاء رقماني) فيتزوجها، ولكنه يذوق الأمرين معها، فضلاً عن المواقف المحرجة التي سيواجهها مع أفراد أسرته. في المسلسل ثمة مجموعة من الأحداث والشخصيات، تهدف بمجملها للتأكيد على تكريس القيم الإيجابية في الحياة الإنسانية، تمهيداً لنبذ الشذوذ والشرور والجنوح وتجنبها.
دمشق- ماهر منصور
