لا يزال الحظ يعاند كثيرين من مطربي الأغنية العربية في رحلة الوصول إلى مراتب الشهرة الفنية، وذلك بعد محاولات لاقتحام هذا المجال عبر أغنيات أو ألبومات منفردة، ولكن متغيرات كثيرة أبقت هذه الفئة ـ على قلتها ـ بعيداً عن الأضواء، وظلت توصف بـ «فناني الأغنية أو الألبوم الواحد»، وإن كانت في الزمن الحالي أقل بكثير عنها في الماضي.

فنانو الأغنية الواحدة أو الألبوم الواحد ظاهرة فنية في العالم العربي تحظى كثيرا بالنقاش وفيها آراء عديدة. الفنانون يشتكون والنقاد وقدامى الفنانين لهم آراء .. «الحواس الخمس» يرصد هذه الظاهرة. منذ وقت قريب أبدى الفنان أبو بكر سالم استغرابه لتقاطر عدد هائل من الأصوات الجديدة على الساحة الفنية، التي تمكنت في ظرف قصير جداً من تقديم ألبومات تحقق توزيعاً كبيراً في سوق الكاسيت الخليجي والعربي، مؤكداً أن العصر الحالي يختلف كثيراً عن عصر فناني الجيل القديم، وهذا شيء طبيعي مرده اختلاف الزمن وظهور التقنيات الحديثة التي تسرع الوصول، حتى أن تجهيز العمل الفني صار يُنجز عبر «الموبايل».الحقيقة أن هؤلاء الفنانين وهم «فنانو التجربة الواحدة» سواء في الأغنية أو في الألبوم، لهم على ما يبدو مبررات كثيرة تفسر ابتعادهم عن ساحات الفن العربية، وما أكثرها، لا سيما وأن بعضهم ينجح بشكل استثنائي ثم يختفي بعد ذلك دون مبررات مثلما نجح، وقد عرفنا هذه الظاهرة أيام علي حميدة مطرب «لولاكي» وحتى «شعبولا» في أغنية «أنا بكره إسرائيل» وما يأتي في سياقها.

وهذا النجاح هو نجاح وقتي وبعدها يختفي صاحبه.نقاد وفنانون تطرقوا من قبل إلى هذه الظاهرة، فمنهم من قال إنها دليل على أن أصحابها بلا جذور، وأن شهرتهم تكونت من عمل واحد فقط، وهنا يكون سبب النجاح ليس الموهبة وإنما الظروف التي تساعده، وبمجرد اختفاء الظروف يختفي الفنان، وهذه مسؤولية المطرب نفسه، لأن عليه بعد ذلك أن يستغل هذا النجاح ويثبت نفسه إذا كان صاحب موهبة حقيقية.آخرون اعتبروا هؤلاء الفنانين ضحايا المنتجين والمخرجين الذين ظلموهم ووضعوا على عاتقهم مسؤولية أكبر من إمكاناتهم بكثير، وللأسف يتحول الفنان بعد ذلك إلى شخصية مريضة، حيث يوضع في مكان ليس في الأصل مكانه، وذلك حتى قبل أن تتبلور لديه الشخصية الفنية، ويصبح في موقع المسؤولية.

وقد قيل أيضاً أن هذا العصر فتح أبوابه لكل من يريد، فمن يطمح للغناء يغني بلا رقيب أو ضابط، وبالتالي فإن هذا الوصول السريع يتركهم سريعاً في عالم الضياع والإهمال.

كما قيل ان الفنان الذي يظهر ويختفي فجأة قد تتولد لديه ظروف نفسية تبعده، لأن الفنان الذي ينجح فجأة ويحقق النجومية لا يصدق نفسه ويظل يرفض أي عمل لا يكون على نفس المستوى، وذلك نتيجة غياب من يخطط له، وبالتالي يقف لا يعرف كيف يستغل موهبته.

الشاعر الإماراتي علي الخوار رئيس مجلس إدارة قناة واستوديوهات أغاني، يقول إن هؤلاء الفنانين، ربما يواجهون أزمة الوصول إلى شركات الإنتاج، وظروفهم المادية لا تسعفهم، فالألبوم الواحد يكلف كثيراً، حيث أن إنجاز 10 أغنيات يتطلب مبلغ نصف مليون درهم إماراتي، وذلك فقط دون حساب تكاليف كليبات الفيديو، وبالتالي تجد بعض الفنانين يملكون أصواتاً ناجحة يدفعون ما بجيبهم على ألبوم واحد ويقفون عاجزين عن المواصلة.

الخوار اعتبر أن المطرب ليس صوتاً أو شكلاً، بل يتعين على الفنان أن يجسد مجموعة مواصفات متكاملة، هي الصوت والأداء والذكاء وحسن الاختيار، وذلك يكون في انتقاء الأغنية والقصيدة واللحن والطبقة والمقام والوقت، مشيراً إلى أن خبرته في هذا المجال أكدت له أن شركات الإنتاج تبحث عن الصوت والأداء، وهي تمهد للنجاح ثم يتعين على الفنان بعد ذلك الإمساك بزمام المبادرة والانتقال إلى مراحل أوسع من الشهرة.

الأهم من ذلك، كما قال الشاعر الإماراتي علي الخوار، هو أن الساحة الفنية الآن تدور مسرعة كما العجلة، وفي كل يوم تجد طرحاً جديداً في الأسواق، وذلك يضيف على عاتق الفنان مزيداً من الجد والاجتهاد لبلوغ أهدافه سريعاً في خضم هذا التسارع الفني المشهود، وهذا الواقع كما يرى الخوار يطيح بالفنانين المترددين أو غير المجتهدين، وبالتالي تتشكل في المجتمع ظاهرة متسعة من «فناني الأغنية أو الألبوم الواحد».

وقديما قال الفنان الراحل طلال مداح: الفنانين أضحوا أكثر عدداً من جمهور المستمعين، في إشارة إلى الانتشار الواسع للغناء العربي. والحقيقة تقول ان الوصول إلى الأغنية في هذا الزمن أضحى أسهل بكثير عنه في الماضي، والسبب يعلمه الجميع، وهو توفر المادة والوسائل المساعدة وسهولة التواصل مع الآخرين، ناهيك عن البرامج التلفزيونية التي تضخ كل عام عشرات الفنانين إلى الأسواق العربية.

دبي ـ عنان كتانة