في زماننا الحاضر، أصبح للحقيقة ألف وجه، وقد حاولت السينما من خلال أفلامها تمزيق الأقنعة الكثيفة، وخوض معركة شجاعة بالكلمة والصورة، متحدية التهديدات للوصول إلى قلبها رغم كل المحظورات.
ولعل فيلم «ذي انترناشيونال» أو (العالمي)، الذي يعرض في صالات السينما المحلية هذا الأسبوع، يقترب كثيراً من تلك الحقيقة، ويحاول التواصل مع الأزمة المالية العالمية، التي تلقي بشباكها على كل الدول الغنية والفقيرة، مهددة بكوارث مقبلة، ومنذرة بتغيير مستقبلي لشكل الاقتصاد في جميع أنحاء العالم.وضع المخرج الألماني توم تيكوير فيلم «ذي انترناشيونال» موضوعه الجريء، داخل مغامرة مليئة بالحركة والإثارة، بطلها شرطي من الانتربول (كلايف أوين)، يحقق في النشاطات غير القانونية لبنك دولي نافذ. ورغم تزامن الفيلم مع الأزمة المالية العالمية، إلا أن مخرجه، الذي عرف بفيلميه «ران لولا ران»، و «برفيوم» (عطر)، أكد أن ذلك كان محض الصدفة، كونه عمل على الفيلم منذ ثلاثة أعوام.
قدم الفيلم في افتتاح مهرجان برلين السينمائي خلال دورته الأخيرة، خارج المسابقة الرسمية، في عرضه العالمي الأول، قبل عرضه التجاري في الولايات المتحدة. ولعب بطولة الفيلم إلى جوار كلايف أوين، ناعومي واتس التي قامت بدور مدعية عامة أميركية، تبحث مع عميل في «الأنتربول»، تداعيات الأزمة الاقتصادية على البنوك والتلاعبات المالية التي تحدث فيها.وجاء اختيار الفيلم لموضوعه الشائك، وبحثه بشكل معمق، فيما حدث من أزمة وتداعيات لها في جميع المجالات على مدى الأشهر الماضية، بأسلوب اقترب من الوثائقي، وقد أصبح مصطلح أزمة مزعجاً بشكل كبير، ويدل على كارثة زلزالية للاقتصاد العالمي، سببها تنامي العولمة التي تدعمها آلات اقتصادية ضخمة.
الفيلم مستوحى من إفلاس بنك الاعتماد والتجارة الدولي، الذي أثار فضيحة في أوساط الأعمال اللندنية عام 1991، ويسعى إلى إظهار العلاقات بين عالم المال والجريمة. ويلقي الضوء على مصارف خاصة جداً وشديدة الفساد يديرها مجموعة من الوحوش. وفي مبان من الزجاج والصلب يعرض الفيلم رجالاً ببذلات رمادية رسمية محاطين بالحراس الشخصيين، وهم يخططون بكلمات مبطنة لانقلابات وصفقات سلاح وحروب واغتيالات هنا وهناك في أنحاء العالم.
ومع تتبع عمليات البنك الإجرامية، تدور مطاردات في الشوارع وفوق الأسطح، وتبادل إطلاق نار تراق خلاله الدماء بغزارة. ووسط سرعة الإيقاع التي تحبس الأنفاس، يتحول الفيلم إلى كر وفر بين طرفين متخاصمين مع تهميش للقضية الحقيقية، ويصبح الشغل الشاغل للمخرج على مدار ساعتين من الزمن، تقديم جرعة من الأكشن واللقطات البعيدة والقريبة، التي تضفي مزيداً من الإثارة.
ونتيجة إصرار كل من العميل والمدعية، على كشف الغطاء عن حقيقة نشاطات هذا البنك والقضاء عليه، يصبحان هدفاً للمطاردة والقتل. أما المُشاهد، فيتنقل بصحبتهما من برلين إلى ميلانو وفرنسا ولندن ونيويورك واسطنبول، في استعراض للكاميرا من فوق ومن تحت في تنسيق جمالي للحركة ومدلولاتها، وإظهار للمعالم والمنشآت والشوارع، مستغلاً البشر خلفية لما يتم من تآمر واغتيالات.
ويبدو أن المخرج الألماني توم تويكر، أراد من خلال «ذي انترناشيونال»، أن يعيد إلى المقدمة الأفلام السياسية، التي سادت في السبعينات من القرن الماضي، حيث يطارد الإرهاب، من مكان إلى آخر، مستنبطاً تداعياته وتأثيراته المدمرة، في فيلم يتأرجح أسلوبه السينمائي بين الطريقة الأميركية المهيمنة على الأفلام الجماهيرية الضخمه، وشيء من النمط الأوروبي القائم على حوار اللغة ومحاولة فهم الآخر.
وينتهي الفيلم بتصفية الرأس الكبيرة، التي تدير البنك الممول للإرهاب بالسلاح فوق أسطح المنازل في اسطنبول، وهو دلالة على ما يحدث حالياً في منطقة الشرق الأوسط، من خلال مشهد غاية في الإثارة والذكاء، ولكن هل تعني هذه النهاية انتهاء المشكلات؟
الملصق الدعائي للفيلم، أجاب عن ذلك من خلال جمل تصب في مضمونه وتفضح أعمال البنوك وهي: يملكون مالك.. يديرون حياتك.. ويتحكمون في كل شيء.. تحذير قائم ولن يزول، فالمعركة مستمرة والتساؤلات تزيد مع الأزمة المالية العالمية، التي بدأت تترك بصماتها على قسمات الوجوه في معظم أرجاء المعمورة.
دبي - أسامة عسل


