التزم بعض الفنانين السوريين بشكل أو بآخر بخط سياسي ما في مرحلة مبكرة من السبعينات والثمانينات، وتحديداً تلك الفترة التي جاء خلالها معظم الفنانين من الاتحاد السوفييتي، حيث درسوا هناك الفن متأثرين بأفكار الشيوعية وتعاطيها مع الفن والحياة. وهذا الأمر ظهر لدى كل من فواز الساجر وسعد الله ونوس وسعيد حورانية ومحمد ملص.. وغيرهم من الأسماء الأخرى.

وعلى الرغم من معارضة الدولة لهذه التحزبات أو لحضور الأحزاب اليسارية في سوريا، إلا أنها غضت النظر عن تلك الفئة المثقفة إلى حد كبير، باستثناء بعض الأشخاص الذين وجدت أنهم مخربون، فحاربتهم بشكل أو بآخر ضمن نطاق واسع.ومضت تلك الأيام إلى طريق مسدود، وربما أدى انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات، الى تراجع تلك الأفكار اليسارية التي اعتنقها الكثيرون، وشكلت «عودة الابن الضال»، حسب تعبير أحد النقاد السمة الأبرز للمثقفين السوريين والعرب عموماً الى صراعاتهم الثقافية والفنية الخالصة المنسلخة عن أي حزب أو انتماء سياسي ما.

وخلافاً للجيل الأول، لم يظهر الجيل الثاني في الوسط الفني السوري، ومعظمهم خريجو المعهد العالي للفنون المسرحية مثل جمال سليمان وايمن زيدان ورشيد عساف وفراس ابراهيم وجيانا عيد التزاماً ما، وظلوا على مسافة واحدة من الجميع، ربما لعدم قناعتهم بمبدأ التحزب، أو لرغبتهم بعدم خلق مشكلة مع الدولة.وفي حين لا يلتزم الجيل الحالي في الدراما السورية بمعايير الحزب السياسي، ظل معروفاً لدى جيل الكبار على سبيل المثال، انتماؤهم لتيارات اجتماعية وسياسية معينة مثل دريد لحام الذي لم يخف انتماءه للحزب السوري القومي الاجتماعي، او حنا مينة في انتمائه للشيوعية.

وظلت الدراما السورية بمنأى عن معالجة حالات كهذه، خوفاً من مقص الرقيب، ولكن هذه الحالة كسرت عبر مسلسل «رياح الخماسين» الذي حكى عن قصة سجين سياسي يخرج من السجن، ليواجه بسجن أكبر يصفه بالجاسوس والخائن، والعمل منع من العرض في سوريا، ثم عادت السلطات لتتراجع عن موقفها.

وفي مصر، عرف عبدالحليم حافظ بأنه فنان الثورة، إذ غنى الكثير من الأغنيات التي تبرز دور ثورة يوليو في مصر والعالم العربي، وقد اعترف الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، أن عبدالحليم حافظ هو صوت من أقوى الأصوات التي دعمت الثورة، ووطدت من دعائمها في الشارع المصري، ولكن ظل المد الاسلامي في مصر هو المسيطر الى جانب المد اليساري أيضاً.

وفي طرف آخر، عرف عن الشيخ امام بأنه فنان المسحوقين في ظل ثورة يوليو، وعانى امام الذي توطدت علاقته مع الناشطين من الشيوعين من ملاحقة الحكومة المصرية وسجنه وتعذيبه، وكان إلى جانبه، صديقه احمد فؤاد نجم الذي عاني بدوره من انتمائه السياسي. ولكن تبدو قوة المد الاسلامي هي الأرجح في ميزان القوى السياسية والاجتماعية في مصر، لعلاقة المجتمعات مع الدين بالدرجة الأولى.

وعلى الرغم من أنهم لا يدعون أنهم في تنظيم اسلامي سياسي ما، إلا ان الممثلين حسن يوسف ووجدي العربي وهناء ثروت وشهيرة وصابرين وغيرهم من الاسماء التي انتشرت بكثرة، يدللون على تأثر الوسط الفني المصري بنزعات معينة قادتهم لتبنيها وتقديمها في الاعمال الفنية.

وظهر حسن يوسف وحنان ترك في بعض الاعمال التي تظهر تبنيهم المطلق، بل دعوتهم للحالة الجديدة التي ظهروا عليها، وسط معارضة الكثير من العاملين في الوسط الفني لهذا التوجه القسري إعلامياً وفنياً وعدم رضاهم عنه.

وإذا كانت الأنظمة الغربية تعتمد على فنانين ومثقفين من أجل الترويج لحملات انتحابية معينة، كما حدث مع الرؤساء الأميركيين بيل كلينتون وجورج بوش الاب والابن وآخرهم باراك اوباما، فإن الفنان يعرف ان وراء هذا التكليف مهمة معينة، قد تكون مأجورة تنتهي بانتهاء مهمته ولا يغوص الفنان في تفاصيل العملية السياسية على حساب عمله كفنان، خلافاً لما يحدث في العالم العربي.