لم يستطع الفنان العربي أن يعيش بمعزل عن مجمل الظروف المحيطة به بتناقضاتها الكثيرة، والتي أثرت إلى حد ما سلباً على عمله كفنان، يفترض أن يكون صاحب رسالة من خلال الأعمال التي يقدمها، وتبرز دوره في المجتمع الذي يعيش فيه.

ويبدو أن لعبة السياسة كانت الأبرز في تأثر الفنان بمحيطه، وانسحب هذا الأمر على مجمل حركته وعلاقاته اليومية والفنية، لدرجة أن معايير أفرزتها مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، تشير الى أن موهبة الفنان وحضوره وتميزه على الشاشة أو على خشبة المسرح، هي حتما من خلال الحزب أو التنظيم الذي ينتمي إليه، وهنا ضاقت مساحة الإبداع، وزادت مساحة الحسابات والتلاعب بمبدأ الهويات القاتلة، إذا افترضنا أن السياسة هي هوية جديدة للفنان.وانتشرت الأحزاب السياسية على اختلاف أطيافها العقائدية، واليسارية منها على وجه التحديد، في العالم العربي بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ووجدت ازدهاراً في دول بلاد الشام ومصر والمغرب العربي في الستينات والسبعينات. وتحول الفنان في تلك الفترة إلى حامل أفكار ومضامين سياسية، بدلاً من أن يكون صاحب رسالة فنية وإنسانية، ويبدو أن صناع السياسة أرادوا استثمار حضور الفنانين والمثقفين المعروفين في الدائرة الضيقة، من أجل تمرير بعض الرسائل والشيفرات الواسعة الانتشار.

وتساءل الكثير من الإعلاميين في مقالات متعددة عن جدوى التحولات التي تصيب الفنانين وانتماءاتهم السياسية، وفي فترة ماضية وإبان الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت طويلاً، وأفرزت الكثير من الأسماء التي كانت مع أو ضد فئة أو تنظيم سياسي ما، بينما تحدثت مقالات مطولة عن مساوئ التزام الفنان بتيار ما والغناء له، أو تقديم أفكاره على خشبات المسارح. ولطالما تساءل الشارع اللبناني في فترة ما بعد منتصف السبعينات عن الانتماء السياسي لفنان معين، وكأنه صار لزاماً على الفنان أن يلتزم سياسياً بخط ما، وربما حاول أهل الغناء إخفاء هذه الناحية، فهم يتكتمون عليها، إلا في حالات نادرة، ويعتبرونها مسألة دقيقة قد توقعهم في مشكلات، هم بغنى عنها فيما لو أعلنوها.وتأتي هذه التساؤلات عادة في مواسم معينة، تواكب أحداثاً سياسية محلية أو خارجية. وتعتبر شريحة لا يستهان بها من الفنانين المعروفين، أن الخلط بين السياسة والفن غير وارد، لأنهما حسب رأيهم يشكلان خطين متوازيين.

ورغم ذلك لم يتوان بعض الفنانين اللبنانيين من إظهار تعاطفه مع شخصية أو حدث سياسي، كما حصل مثلاً في الفترة الاخيرة بعيد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. فقد أقبل الفنانون، على أداء أغنيات خاصة بالحدث، فيما غابت وجوه فنية معروفة تماماً عن الساحة في هذا الظرف، لأنها رفضت التعاطي مع الحدث بطريقة مزيفة وتجارية، ولكن أليسا وراغب علامة ونانسي عجرم وغيرهم من باقي الأسماء، أظهرت التزامها بمسارات معينة.

وفي لبنان، تبدو هذه النزعة واضحة الى حد كبير، ومتميزة عن باقي العالم العربي. فلم يخف وديع الصافي تبنيه لمواقف حزب الله، وكذا هو حال معين شريف وعاصي الحلاني الذي غنى لفلسطين ولبنان وأمل حجازي، فيما التزم زين العمر خط (التيار الوطني الحر)، واليسا (القوات اللبنانية)، وراغب علامة (تيار المستقبل) وفارس كرم (تيار المردة).

ويصر ملحم بركات وماجدة الرومي وجوليا بطرس أيضا على انهم من (حزب لبنان)، في اشارة الى تخليهم عن مبدأ الحزب، وعدم تعاطيهم مع هذا الأمر. وكانت جوليا قد قدمت اغنية وطنية مهمة عنوانها «نرفض نحنا نموت» واهدتها الى الشعب المقاوم في الجنوب اللبناني في اوائل الثمانينات اثناء الاحتلال الاسرائيلي لتلك المنطقة، كم قدمت أغنية «أحبائي» المستوحاة من رسالة وجهها الأمين العام لحزب الله إلى المقاومين لجنود الاحتلال أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان في (يوليو) 2006.

في حين لم تتأخر ماجدة الرومي من ناحيتها عن إظهار وطنيتها وتعلقها بأرض لبنان، كما أبدت في أواخر الثمانينات وتحديداً عام 1990 تعاطفها مع رئيس مجلس الوزراء في تلك الحقبة العماد ميشال عون، عندما زارته في مقره في بعبدا تحت صوت المدافع والانفجارات. وقد اطلقت على اثرها اغنيتها الشهيرة «سقط القناع» من أشعار الراحل محمود درويش، التي لا يزال اللبنانيون يرددونها حتى اليوم في المناسبات الوطنية.

ولا يخفي زياد الرحباني انتماءه للحزب الشيوعي، وتمسكه بأهدافه ومبادئه العامة والحلول التي طرحها هذا الحزب للتغيير في العالم، بينما عانى مارسيل خليفة من انتمائه إلى الحزب الشيوعي في حفلاته خارج لبنان والتي هوجم فيه لتياره السياسي، ذلك ان المد اليساري في العالم العربي عموماً لم يكتب له النجاح، على الرغم من انه شهد هامشاً واسعاً لدى مختلف الأوساط، ولكنه ظل غريباً عن جسد المجتمعات العربية، خلافاً للأحزاب الاجتماعية والدينية التي ازدهرت ونشطت، ولا يزال لها روادها حتى الآن في مختلف أنحاء العالم العربي.

ويؤكد الفنان اللبناني انطوان كرباج في حديثه مع «الحواس الخمس» أن الالتزام السياسي قد يتحول الى كارثة للفنان في حال هو التزم بمبدأ معين، أو التزم بخط غير الخط الانساني والاجتماعي في عمله، وأكد كرباج أن مبدأ الفن والسياسة أثبت فشله، وأشار إلى ان كل خطوة من قبل الفنان باتجاه السياسة تجعله يخسر خطوة مقابلة قطعها في الفن، وتقوده بالمقابل لخسارة ارتباط الناس ومحبتهم له، وعلى الفنان ان يعرف والكلام له، ان السياسيين والمنظمين هم من يستفيدون من اقبال الفنان على منظماتهم.

دبي - جمال آدم