يعتبر فيلم «فروست / نيكسون» الذي يعرض الآن في دور السينما المحلية، تحفة سينمائية وعملاً فنياً عالياً بكل المقاييس، حيث يتفوق من خلال سيناريو العمل على كثير من الأفلام الأخرى، التي حاولت الاقتراب من شخصيات حقيقية، خصوصاً تلك التي تعمل في مجال السياسة. كما يعد هذا العمل بالفعل بمثابة درس للكثير من السينمائيين والممثلين أيضاً، في تجسيد مثل هذه الشخصيات، وطريقة عرضها على الشاشة الكبيرة.
إنه مباراة رائعة لمحاولة كشف الحقيقة والهروب من إعلانها، حيث يرصد بضع ساعات أمضاها الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في الحديث للمرة الأولى، منذ استقالته إلى المذيع ديفيد فروست في مقابلة تليفزيونية عام 1977. وكان نيكسون قد تحفظ لفترة طويلة لوسائل الإعلام المختلفة، والتزم الصمت إزاء كثير من الجدل الذي أثير حوله، وحول فضيحة «ووترغيت». وكان اختيار نيكسون الحديث بعد ثلاث سنوات من تقديم استقالته لافتاً للانتباه، خاصة مع مذيع برامج التوك شو بريطاني الجنسية فروست، الذي اشتهر ببرنامج «عبر أستراليا» ليحاوره متصوراً أنه يمكنه من خلال مواجهته العودة مرة أخرى إلى الأضواء، لكن المقابلة التي جمعتهما، كانت سبباً في تغيير مسار ومستقبل كل منهما، نظراً لما حوته من معلومات ومفاجآت ساخنة.
رُشح فيلم «فروست/نيكسون» لنيل جوائز أوسكار عدة في الحفل السنوي الحادي والثمانين لجوائز الأكاديمية الأميركية التي أقيمت أخيراً في مدينة لوس أنجليس، وهي أفضل فيلم، وأفضل ممثل (فرانك لانجيلا)عن أدائه شخصية ريتشارد نيكسون، وأفضل إخراج (رون هاورد)، ورغم عدم حصوله على أي منها يعتبره كثير من النقاد أهم الأفلام المميزة التي قدمت في عام 2008.ويلعب بطولة الفيلم إلى جوار فرانك لانجيلا، مايكل شين في دور ديفيد فروست، ويشاركهم كيفين بيكون، وسام روكويل، وماثيو ماكفيدين، وهو إنتاج أميركي ـ بريطاني ـ فرنسي مشترك.
ومأخوذ عن عرض مسرحي قدم في عام 2007 بالاسم نفسه للكاتب بيتر موران.هذا الفيلم الذي يمتد على مدى 221 دقيقة، رشح لخمس من جوائز «غولدن غلوب» في 2009، وأهمها أفضل فيلم، وأفضل إخراج وأفضل سيناريو لكاتبه بيتر مورغان، وأفضل ممثل لبطله فرانك لانجيلا، الذي حصل على جائزة «توني» عن الدور ذاته الذي قدمه في المسرحية.
يبدأ فيلم المخرج رون هاوارد عندما يعلن نيكسون للشعب الأميركي استقالته من منصبه، ويذهب إلى فيلا خاصة في كاليفورنيا، يعتزل فيها مع الاحتفاظ بعدد محدود من مساعديه. وعلى الجانب الآخر يظهر المراسل التليفزيوني البريطاني ديفيد فروست، الذي عرف باقتناص الفرص وإجراء المقابلات المثيرة مع الشخصيات السياسية.
وهو يفكر في كيفية الوصول إلى نيكسون الذي يوافق على تسجيل 4 مقابلات تليفزيونية، على ألا تزيد مدة الواحدة عن ساعتين، وعلى ألا يتجاوز موضوع «فضيحة ووتر غيت» فيها أكثر من 20 في المائة.
وكان فروست قد عرض في بداية المفاوضات 500 ألف دولار، مقابل ظهور نيكسون معه، بينما عرضت قناة «سي بي إس» على فروست أن تشاركه بمبلغ 350 ألف دولار، وفرها له المنتج، متشككة في قدرته على دفع مبلغ 200 ألف دولار من المبلغ المعروض على نيكسون، خاصة بعد رفع نيكسون المقابل المادي إلى 600 ألف دولار، إلا أن فروست نجح في توفير حصته من المبلغ من خلال الاستدانة من بعض أصدقائه الأثرياء، واستطاع بعد ذلك سداد دينه من خلال بيع الحلقات بأسعار عالية لكثير من المحطات التليفزيونية في العالم، واجتذاب كم كبير من الإعلانات.
ينجح الفيلم في التمهيد للحدث الكبير، أي المواجهة بين الرجلين كما ينجح في تقديمه الشخصيات الرئيسية والمساعدة، ونتابع عبر أحداثه طريقة إعداد الأسئلة الساخنة حول عمل نيكسون السياسي، وفضيحة «ووتر غيت» التي كانت وراء خروجه من البيت الأبيض وعصفت بمستقبله واستمراره رئيساً للولايات المتحدة، وأيضاً سياسته الداخلية والخارجية خلال فترة رئاسته.
ويبرز الفيلم الجهد الذي بذله فروست لجمع المعلومات الكافية، من خلال الاستعانة بثلاثة محققين، ويقدم في لقطات مذهلة مراوغات نيكسون لتجاهل أسئلة فروست وعدم الإجابة عنها، بمحاولة إلقاء القفشات والنكات بدلاً من الإجابات.
وأن يبدو كإنسان يتمتع بخفة الظل أكثر منه رجلاً سياسياً، والإجابات الرسمية المطولة الأشبه بالخُطب الرسمية، والتي فشل فروست في كثير من الأحيان في مقاطعتها، كما برع الفيلم في إظهار كواليس تسجيل البرنامج، والتي كان أبرزها الاستعداد النفسي والتوتر، الذي عاشه كل من نيكسون و فروست قبل وأثناء المقابلة.
أما ما يميز الفيلم، فإنه يكمن في إضفائه على الدراما الكثير من السحر والجمال والمتعة أيضاً، خصوصا قبل المقابلة النهائية بينهما، في أحد أهم المشاهد، حيث يجلس ديفيد فروست داخل جناحه الفندقي حزيناً مكتئباً، بعد أن بلغته أنباء سلبية عن استغناء التليفزيون الأسترالي عن خدماته.
يرن جرس الهاتف بعد منتصف الليل. ويأتي على الطرف الآخر الصوت العميق المميز لنيكسون. ويستمر الحوار بين الرجلين. الأول الذي فوجئ بالاتصال يصغي باهتمام شديد. والثاني الذي يبدو عليه إثر تناول الخمر، يحاول بطريقة ما، أن يؤثر على فروست، ويجذبه إلى جانبه ويتلاعب بمشاعره، فيذكره أن كليهما ينتميان إلى الطبقة المتوسطة ذاتها، ولابد أنه مثله تعرض أثناء دراسته في كامبريدج، لنوع من التجاهل والتعامل بازدراء من جانب الطلاب المنتمين للطبقات الأرستقراطية الأعلى.
وتكشف المكالمة في أداء تمثيلي مبهر عن إحساس نيكسون بالضعف والرغبة في مداراته، واستجداء التعاطف من محاوره الذي لاشك أنه يستعد له، بعد عدم نجاحه تماماً في الجولات الثلاث الأولى، خصوصاً أن الجولة الأخيرة محورها الأساسي هو «ووترغيت».
حظي الفيلم بإشادة كبيرة من النقاد، خاصة أداء فرانك لانجيلا لشخصية نيكسون، متفوقاً في تقديرهم على ما قدم عن هذه الشخصية في فيلمي «نيكسون» للمخرج أوليفر ستون، و«الشرف السري» للمخرج روبرت ألتمان، وأيضاً أشادوا بمخرج الفيلم رون هاوارد صاحب «العقل الجميل» و«شفرة دافنشي»، حيث تميز عمله الجديد بإيقاعه السريع، وتقديم لقطات ذكية، تظهر صراع التنافس بين الطرفين.
ومن المدهش أن منافسة شرسة جرت بين عدد من المخرجين لتقديم الفيلم، منهم مارتن سكورسيزي ومايك نيكولاس وجورج كلوني وبينيت ميللر، إلا أن رون هوارد انتزع فرصة إخراج الفيلم، بعد موافقة الشركة المنتجة على أن يلعب الممثلان فرانك لانجيلا ومايكل شين، اللذين قدما دوري نيكسون وفروست في المسرحية ـ الشخصيتين على الشاشة، والطريف أن هوارد تحمس لإخراج الفيلم لأنه كان ممن انتخبوا نيكسون، ثم صدموا بفضيحة «ووتر غيت» واستقالته.
السيناريست بيتر مورغان ـ الذى قدم من قبل فيلم «الملكة» عن حياة «إليزابيث الثانية» ملكة بريطانيا ـ شبه الفيلم وأداء الممثلين فيه بمباراة شطرنج أو ملاكمة.. يسعى كل طرف فيها للفوز على الطرف المقابل.
«فروست/نيكسون» فيلم يستحق المشاهدة أكثر من مرة، يعكس بذكاء شديد شخصية الرئيس نيكسون، الذي أشتهر بالكذب والبخل، ووصف بقمة العنجهية والكبرياء، بينما اشتهر البيت الأبيض في عهده بأنه أشبه بقصر ملكي، بدأ حياته فيه قوياً حاسماً، يتخذ قرارات تاريخية ومصيرية بمنتهى الشجاعة، ثم انتهى ضعيفاً هزيلاً، لا حول له ولا قوة، فقد خرج من السلطة بأكبر فضيحة هزت أرجاء الولايات المتحدة، واضطر مجبراً إلى تقديم استقالته بشكل درامي مثير.
دبي- أسامة عسل


