عندما نتحدث عن أصول الموسيقى الشرقية، فإننا نقصد الموسيقى المنتمية إلى منطقة بلدان الشرق، أي المنطقة التي تشمل بلاد فارس والعالم العربي وبعضاً من بلدان أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا.

وهذه الموسيقى الناشئة عن حضارات الشرق المختلفة، التي تطورت واختلطت يبعضها وبغيرها من الحضارات عبر العصور، تنفرد بمزايا خاصة تختلف عن تلك الموجودة في الموسيقى الغربية. فهي بكل تأكيد تعكس طابع الحياة الشرقية لهذه الشعوب على اختلاف ثقافاتها، على عكس الشعوب الغربية التي تشترك إلى حد ما في الطابع الثقافي وربما التراث والحضارة المتقاربة. وعلى اختلاف الثقافات الشرقية، اختلف طابع الموسيقى بشكل أو بآخر، ليجعل من موسيقى كل منطقة شرقية ذات لون وإحساس مختلف عن المنطقة الأخرى.في هذا التقرير يبحر(الحواس الخمس) داخل النغم الشرقي وآلاته وألحانه وأيامه الأولى، أو تاريخ الموسيقى الشرقية بنظرة عامة، فماذا جاء من هذا الإبحار.

هناك عوامل عدة تميز الموسيقى الشرقية عن قرينتها الغربية، تتمثل في الأصوات الموسيقية أولاً، حيث يوجد ما يعرف بالـ (ربع صوت) أو ال (نصف بيمول) والمعروف عند الموسيقيين أحيانا بالـ (ربع تون) وهناك أيضا الـ (تُسع صوت)، الذي لا يمكن وجوده على الإطلاق في الموسيقى الغربية، وهذا ما يؤدي بالطبع إلى تميز الآلات الموسيقية المستخدمة لتأدية الألحان الشرقية، التي تتخللها هذه الأبعاد الصوتية المبنية على المقامات الشرقية، التي ليس لها وجود ضمن السلالم الموسيقية الغربية.

المقامات الموسيقية وهي بمثابة السلالم الموسيقية، غير أنها تختلف عن تلك الغربية بعدم التزامها بالأبعاد الصوتية (كما في السلم الموسيقي الصغير والكبير)، بقدر التزامها بالحفاظ على الطابع. كان المقام الموسيقى في الأصل يتكون من جنس واحد مكون من أربعة أصوات متتالية، وعندما تدرج الموسيقيون في توسيعه وصل إلى سبعة أصوات، وأضيف إليه جواب الصوت الأول، فأصبح بثمانية أصوات، وهو ما يعبر عنه بالأوكتاف.

وتنقسم المقامات الرئيسية السبعة إلى مجموعتين إحداهما المشابهة للموسيقى الغربية من خلال مقام (النهوند) وهو المقام المتعارف عليه في الموسيقى الشرقية والغربية، ويشبه كثيرا مقام المينور عند الغرب.

ومن أمثلته مطلع أغنيتي (دارت الأيام) و(رق الحبيب) للسيدة أم كلثوم.

والمقامات المرادفة لمقام المانور الغربي أو السلّم الصغير مثل بوسليك ، محيّر شيكاه ، فرح فزى، وسلطان يكاه. أما مقام العجم فيستخدم كثيرأ من الأحيان في غناء تراتيل الكنائس، ومن أمثلته موال (رح احلفك بالغصن يا عصفور) لوديع الصافي وأغنية (يا فؤادي ليه بتعشق) لسيد درويش، و(فاتت جنبنا) للراحل عبد الحليم حافظ والمقاماتألا المرادفة لمقام الماجور الغربي أو السلّم الكبير وهي مقام الماهورألا ومقام الجهار.

ويتبين بالبحث في تاريخ نشأة الموسيقى الشرقية أن مقامات (الراست والبياتي والصبا والسيكا والحجاز) تعد من مجموعة المقامات التي تخص الموسيقي الشرقية فقط، والتي لها دلالاتها الموسيقية واللغوية.

ويعتبر مقام الرست سيد المقامات العربية، ويتفرع منه نحو خمسين مقاما كمقام السوزناك، ومقام ساز كار، مقام نيروز، مقام رهاوي، مقام الدرنيشين، مقام محيّر عراق، مقام راست الذيل، ومقام الماي، فى حين يعرف المقام (البياتى) بالمقام المحبوب والمتردد دائما في بيوتنا وفي أغاني الأفراح مثال: أغنية الأفراح (دقوا المزاهر يالله يا أهل البيت تعالوا).

أما فروعه فهي مقام العشّاق التركي، مقام الحسيني، مقام المحيّر، مقام بياتي شوري ومقام الصبا،ألا ويوجدألا مقامألا في شمال إفريقيا يدعى مقام الحسين، وهو مرادف لمقام البياتي وله مشتقّات معروف منها: مقام الحسين نيريز، ومقام الحسين أصل، ومقام الحسين عشيران، ومقام الحسين صبا، ومقام الحسين عجم.

وفى السياق يعد مقام الصبا من أكثر المقامات حزنا، وأقربها في موسيقاه غالبا لتحريك الأحاسيس والوجدان، ويتميز هذا المقام بشجنه الجميل وأنغامة المتواترة ومن أمثلة هذا المقام أغنية (هو صحيح الهوى غلاب) لأم كلثوم ، فحين يبعث مقام السيكا السعادة للروح والطمأنينة للنفس ، وهو المقام الذي تقف عليه (علامة الربع) الشرقية مثال: أغنية (ليلة امبارح ما جانيش نوم) لسيد مكاوي وسيرة الحب للفنانة أم كلثوم.

ويعتبر مقام الحجاز من المقامات ذات الشعبية والحضور الملفت، ومن مشتقاته مقام الهمايون ومقام الشاهناز مثال: أغنية (فوق النخل) لـ صباح فخري و(أنا في انتظارك) لـ أم كلثوم .

وتندرج تحت سلم المقامات الشرقية مقامات أخرى مرادفة للسلم الخماسى ذات الأصل الإفريقى وسلمها يحتوي على خمس علامات فقط، مكونة من مقامين هما مقام راست عبيدي ومقام راست كتاوي، تليها مقامات تمزج السلّم الخماسي والمقامات الشرقية، وهذا النوع من المقامات يستعمل ومنتشر في مرّاكش والجزيرة العربية واليمن ودول الخليج،ألا أما مقام الذيل فيعتبر المقام الرئيسي في هذه المجموعة، ومن ميّزاته خفض الدرجتين الثالثة والسابعة بمقدار %02 من فروع هذا المقام ما يسمّى بمقام مجنّب الذيل حيث تخفض درجته الثالثة نصف درجة صوتيّة،ألا هذا المقام يشبه مقام السوزناك.

دبي-رشا عبد المنعم