صنعت نجاة اعتابو شهرتها بأغنية جوني مار (سئمت من كل شيء) والتي كانت بمثابة بركان انفجر في مطلع الثمانينات للتعبير عن حقوق المرأة المستضعفة، وهي اليوم بين أقوى الأصوات الغنائية الشعبية، وأبرز الأسماء في المشهد الغنائي المغربي، والمغنية المغربية الأولى ذات الحضور العالمي بجولاتها في الخارج ومشاركاتها المتواصلة في المهرجانات الدولية.
وكانت نجاة اعتابو قد اختيرت في مهرجان موسيقى الشعوب، الذي يقام بمدينة ايسان الألمانية، ضمن أفضل العشرين الأوائل عالميا في مجال الغناء لحسها الفني الراقي، ورسالتها الواقعية المتصلة بيوميات البسطاء.
تغني نجاة باللغتين العربية والفرنسية إلى جانب غنائها بلغتها الأم (الأمازيغية)، وتمزج بين الأغنية المغربية الشعبية الأصيلة وبين الراب، لكنها تظل وفية في أغانيها للمواضيع الاجتماعية التي عرفت بها، مثل أغنيتها عن الطفولة التي سجلتها مع المغنية الأمريكية نينا تشيري. الحواس الخمس التقى نجاة اعتابو وكان هذا الحوار :
فاجأت الوسط الفني بأغنية غير مألوفة عن القرصنة كيف جاءتك هذه الفكرة؟
تحقق أشرطتي الغنائية في العادة مبيعات مرتفعة في سوق الكاسيت سواء داخل المغرب أو في الخليج وأوروبا، حيث يوجد عدد كبير من المهاجرين المغاربة هناك.
وفكرة الأغنية جاءت لوقف عمليات القرصنة التي باتت تستنزف امكانات الفنانين وشركات الإنتاج، إذ توقف الكثير منها بعد تكبده خسائر مالية جسيمة، لذا قررت حمل مشعل مطاردة القراصنة وتوحيد الصفوف لوقف ظاهرة القرصنة ومنع التسامح أو التساهل معها لتأثيرها السلبي على الإبداع الفني والثقافي، وكذلك تحسيس المتلقي بخطورة الظاهرة وإشعاره انه يرتكب خطأ وفعلا لا أخلاقيا عند اقتنائه قرصا مقرصنا.
انطلقت في مدينتك الخميسات ثم انتقلت إلى الدار البيضاء لتنتشر شعبيتك في كافة أنحاء المغرب، ماذا تقولين عن هذه الرحلة الطويلة؟
في جبال الأطلس الغناء تسلية مفضلة، وقد حدث أن غنيت في حفل زفاف، وقام أحد الحاضرين ودون علم مني بتسجيل صوتي في ذلك الحفل، ومن بعد باعه للجمهور، وبالرغم من أن الكاسيت انتشر وبيع بشكل جيد في المغرب، إلا أن أقاربي كانوا غير متحمسين لفكرة أن أصبح مغنية، واعتبرت عائلتي الأمر كارثة أكيدة، ولم تتقبله، على اعتبار أنني جعلتها في وضع مشين، بل إن إخوتي أرادوا قتلي.
غير أن نجاحي في هذه الخطوة هو من ألهمني القدرة على التحدي والمضي بهذه المغامرة إلى الشوط الأخير، وبالتالي قررت الهرب والانتقال تدريجيا إلى مدينة الدار البيضاء، أي إلى المكان التي تتوفر فيه الامكانات الضرورية للفنان من شركات إنتاج وفرق موسيقية وجمهور متعطش للأغاني التي تتحدث عن الأسى والوحدة والحب والمواضيع الرومانسية.
قاطعتني عائلتي ثلاث سنوات ثم عادت المياه إلى مجاريها وهدأ ضجيجها، بعدما تأكدت إنني لم أرتكب أي شي يخل بالأخلاق، وقد جعلتني الشعبية التي حظيت بها أكثر إدراكا بمسؤولية الفنان تجاه الجمهور، وتجاه النفس أولا، فاحترام النفس يولد الطاقة السعيدة الضرورية للالتزام الصارم بقضايا الإنسان ومجتمعه، غير أن هذه الشعبية بددت حلمي القديم بأن أصبح محامية.
أصدرت حوالي 30 ألبوما غنائيا، بعضها باع أكثر من مليون نسخة. إلى ماذا تعزين هذا الإقبال على أغانيك؟
أنا أول مغنية مغربية يصدر لها قرص مدمج، أغاني، وهي من تأليفي، مكتوبة بطريقة غير تقليدية وخاصة، أنا أحاول تقديم صورة عادلة عن النساء المغربيات، كما أحاول أيضا أن أدافع عن حقوقهن وتغيير وجهات النظر السائدة عنهن.
في أغاني لا أتراجع عن تقديم قضايا صعبة، فهي على سبيل المثال تتناول الخيانة الزوجية والعنف الأسري، والتخلي عن الفتيات اللواتي يحملن نتيجة ظروف قسرية، كما يدعو بعضها الآباء إلى الوقوف إلى جانب أبنائهم في جميع الأوقات، باختصار، إنني في أغاني أتحدى وجهات نظر سائدة.
لقد تغيرت أشياء كثيرة في المغرب بما في ذلك وضع المرأة، فلماذا الاستمرار في طرق هذه المواضيع؟
صحيح، تغيرت الكثير من الأشياء خلال السنوات العشرين الماضية في المغرب، المرأة تعمل وتسافر وتعبر عن آرائها، لكن مازال الكثير أيضا بحاجة إلى تغيير خصوصا بالنسبة للمرأة القروية، وأنا أتمنى أن تساعد أغاني في إنجاز هذا التغيير. هل تعتقدين أن الأغنية الشعبية المغربية قادرة على مواجهة هذا الزخم من الأغاني العربية؟
الأغنية الشعبية المغربية ناجحة جدا وتملك كل مواصفات التألق، في الخليج مثلا يتم توظيف ألحانها وأوزانها بكثرة من طرف بعض المطربين الخليجيين، وقد ساعدت المهرجانات الغنائية سواء التي تقام في المغرب أو في دول عربية أخرى على رواج هذه الأغنية.
في أغانيك الأخيرة تحول لافت باستخدام آلات موسيقية حديثة، لماذا الخروج عن الطابع التقليدي الذي اشتهرت به؟
في المرحلة الأخيرة عملت لتغيير أسلوب موسيقاي، فاستبدلت الآلات التقليدية بأخرى جديدة ذات تأثيرات موسيقية مختلفة عنها مثل الغيتار الكهربائي. ولا يمكن التكهن بمدى نجاح هذا التحول لأن الأمر مرهون برأي الجمهور المغربي، وإن كنت أريد بذلك أن أجعل الأغاني المغربية سهلة الوصول إليه وإلى عشاق الموسيقى في جميع أنحاء العالم.
الرباط ـ رضا السيد
